حين تنطق التماثيل

Claudine Aziz
كلودين عزيز

كلودين عزيز

شاء دار الساقي أن يكون بين أيدي القرّاء، روايةً تغني عقله وتحرك أحاسيسه فيتفاعل مع أبطالها، ويشاركهم المأساة وينحني تقديرًا لعطاءاتهم الممزوجة بالألم.

“تماثيل مصدّعة” رواية تحاكي الضمائر النائمة، والمتغاضية عن الظلم، المنبهرة بالمظاهر والغافلة عن البواطن. إنّها وباختصار صوتُ من لا صوتَ لهم، وحروف من كلمات لم تلامس الأسطر سابقًا.

“هاني العاصي” ذاك الطفل المتجسّد في تمثال مثبور اليدين، اللتين لم تقدرا على ردع والده عن اغتصابه مرارًا وتكرارًا في كنف صمت الأم وتجاهلها. إنّها صرخةٌ في وجه من يتلهى بقشور الحياة وإشارةٌ إلى أنّ الشعور بعمقهايأتي ممن تجرّع كأس العذاب والمعاناة.

الكتابة فنّ والفنّ رسالة والرسالة ظهرت بأسلوب خلاّق وحبك متماسك تضمن علم المعاني والبديع، عنصري الزمان والمكان، الأساطير، النظرة الواقعيّة، التاريخ والمشاهد الخلابة، الصور  الرائعة والأقوال المأثورة، فأوصلت “مي منسّى” بذلك رسالتها بوضوح: “هل بإمكان الانسان العيش بلا ماضيه او بمعنى آخر السفر حراً من حقيبة الذاكرة؟”

walid-may menassa-3
الراوئية والكاتبة ميّ منسّى

جمعت الكاتبة في الرواية أناس، أضاءت على جوانب المأساة في حياتهم، فعانوا ما عانوه من جبروت القويّ وتغاضي ضعفاء النفوس. فهل المجرم حقًّا هو فقط من يضغط على زناد المسدس؟ أوليس المحرّض والساكت عنه مشاركا معه في الجرم؟ وكم من أناس ماتوا أحياء لأنّ من وجب عليه حمايتهم تلهّى عنهم لغايةٍ أو لأخرى. ها هو بطل الرواية قد اغتصب فعليًّا على يدي والده وعمليًّا على أيدي والدته وشقيقته وزوجته وأولاده والكهنوت والمحاماة. أوّلًا يوازي المتفرج الصّامت، والحاكم الأصم، والمدافع الأخرس، المجرم في قساوة فعله؟

ومع تعدد الأساطير التي تضفي على الرواية رونقًا مع “تريستان” و”أوليس” و”إيتكا” و”بينلوب” و”أنتيغون”، حملتنا الكاتبة إلى أماكنَ أخرى وعقود غابرة ما زالت راسخة في الذاكرة. ومع هذه الاماكن (أبيدجان، فرنسا، غرادشومير، المحترف…) انتقلنا معها إلى مواقع الحدث بالصورة من خلال مشاهد وصور مفصلة تخطف الانفاس على مثال:

– “الموكب الذي تعانق فيه الموت بالحرية”.

– “أمور الدنيا تغدو كالجليد في قمم الجبال الذي لا تذيبه شمس”.

– “كأنّ الحفرة التي استوى فيها النعش أكثر رحمة من رحم هذه الأمّ”.

Cover
غلاف رواية تماثيل مصدّعة

ولترسّخنا في الواقع لم تغفل الكاتبة عن ربط الاحداث بالعلم مع “اينشتاين” و”داروين” و”فرويد” ونظرياتهم مبدية نظرة الراوي إلى كلّ من:

– الحرب: “الموت هنا كشف عن… يظنّون السيطرة على العالم براجمة…”

– الوطن: “قناعتي أنّ من له مقبرة له وطن”.

– الهوية: “هويتك بما في استطاعتك انجازه”.

– التاريخ: ” ما شأننا… بحاجةٍ إلى كتبٍ مكتوبةٍ بحبر ثوّارنا فنتعلّم تاريخ بلادنا لا تاريخ من استعمرنا حتى نبقى نتذكر”.

– العدل: “خمس سنوات وأنا مطارد من مهنة المحاماة”.

– الفارق بين الأجيال: “كيف تعلّمت كتابة الحروف …وهو لا يتعب.. فحاسوبه خادمه”.

ولم تخلُ الرواية من التأريخ من جهةٍ، نذكر منها:

– “دخول عناصر ميليشيوية برشاشاتها إلى المجمع السياحي الساحلي.. والجثث بالعشرات..”

– “وراء نعش الصحافي القتيل في موكب المشيعين” .

والأقوال المأثورة من جهة اخرى:

– لأفلاطون: “الأشياء الدنيويّة هي ذاتها في الأشياء السامية إنّما بوضع آخر”.

– ولغاندي: ” شريعة الحبّ هي التي تحكم البشرية”.

ويتعانق التأريخ والأقوال المأثورة بعبارة “نذكر حتى لا ننسى”.

كتبت مي منسى فصدعت مفاهيم و قيم بأسلوبٍ لا يخلو من الإبهار ووقائع تدمغ العقل بوشم الحقيقة. وأقتبس من الرواية عبارتين اختم بهما:”انت ثائر ….انت حيّ.” و”بين يديّ المبدع يغدو التاريخ نصبًا تاريخيًّا.”

may&cover
آدال الحوراني

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s