ولادة الإبداع من رحم المأساة

Marie-therese Salameh
ماري تيريز سلامة

ماري تيريز سلامة

إنّ رواية “تماثيل مصدّعة” تجعلنا نعيش حالةً سوداويّةً تذكّرنا بمأساة مجتمعنا الّذي تفوح منه رائحة الشّذوذ والعريّ وما يدور فيه من ممارسات مكبوتة سواء عرقيّة أو جنسيّة أو سياسيّة….

روايةٌ حملت لنا مآسيإنسان وعذباته إتّخذ الإبداع ليصارع من خلاله العبث بوهم الخلود.

ومقابل النّجاح الباهر في الفنّ كانت حالته النّفسيّة تلاقي الفشل المتلاحق.

فحياة هاني العاصي كحياة معظم الفناّنين لم تخلُ من سخط وتعس وألم.

طفلٌ تعرّض للاغتصاب من قبل والده تحت التّهديد وحرمانه من العلم والعيش.

إلّا أنّ هذا الاعتداء الجنسيّ الّذي مارسه الوالد على الطّفل لإشباع رغباته الجنسيّة كان مرفقًا بأذًى عاطفيّ من والدته وهذا يتمثّل بحرمان الطّفل من الحبّ والحنان والرّعاية والحماية والشّعور بالأمان….

أمٌّ تغاضت عن هذه الجريمة التّي ارتكبت بحقّ ابنها.

” ولم تكن لي أمّ تبكي لوعَةً على ابنها المصلوب على شهوات الأبّ وطغيانه.” (ص 35)

walid-may menassa-3
الراوئية والكاتبة ميّ منسّى

وللتّعبير عن هذه الوشوم الغائرة في ذاكرته لجأ هاني العاصي إلى النّحت لعلّ من خلاله يمسح آلام ذكرياته. فتركت أوجاع طفولته أثرها في فنّه وهيمنتها على سيرة حياته بكلّ تفاصيلها.

فمنذ أن وجد هذا الإنسان على الأرض وهو في حالة صراع بين مشكلته والبيئة المحيطة به، ممّا دفعه إلى الخوف والانطواء والخجل. وهذا ما أنتج شخصيّة أدبيّة قادرة على إحالة كلّ أسباب الصّراع إلى طاقة خلّاقة.

كان هاني العاصي يرغب بالخروج من داخل شرنقة العبث الوجودي، إلّا أنّ سفينة حياته لم تواجه غير العديد من الأمواج والتّقلّبات القاسية وهذا نتيجة الخوف والرّعب من إفشاء سرّه، فقرّر  الهروب من هذا الإرث الطّفولي إلى الفنّ والإبداع لعلّه يجد من خلالهما العلاج والخلاص والهويّة.

“بالنّحت كنت أفتّش عن هويّتي المغتصبة لأدجّنها.” (ص 47)

وبعد أن أصيب بداء المفاصل الّذي فتك بيديه اضطرّ هاني للانفصال عن مادّة الصّلصال. إلّا أنّه لم يدع اليأس يسيطر على فنّه فراح يستذكر جسد حبيبته “سيمون” الّتي بدورها لجأت إلى الفنّ ” لتجعل من الوحي مغامرة”.

Cover
غلاف رواية تماثيل مصدّعة

وهذا يتوافق مع رأيّ فرويد الّذي يعتبر أنّ علّة الإبداع تكمن في ضغط مركب أوديب Oedipus Complex على نفسيّة الفنّان من جهّة، وفي ضغط الواقع الخارجي عليه من جهّة أخرى، ممّا يدفع الفنّان أن يجد في الفنّ وسيلة الإشباع الخيالي لبعض حاجاته.

” ولم يغب عن بالي جسد سيمون المتحرّر من القواعد الأكاديميّة، يجبر القلم الّذي يرسمه أن يضلّ دربه بين الخطوط البارزة إلى الشّهوة المنبثقة من داخله”.

ومن فنّ نحت تماثيل الأطفال المصدّعة إلى رسم لوحات سيمون، لم تكن حياة هاني إلّا مسلسلًا طويلًا من المعاناة والآلام والأوجاع. وواقع هذه الشّخصيّة تذكّرنا بحياة(بقصة) أوديب الّذي نقل لنا المصاعب الّتي يواجهها الإنسان في رحلة البحث عن الذّات، والّتي تبحث؟ في مشاعر الذّنب والبراءة.

M.Salameh
ماري تيريز سلامة

وعليه يمكننا أن نقول إنّ ميّ منسّى في رواية “تماثيل مصدّعة” جسّدت لنا الواقع بحذافيره، وبكل ما يجري فيه من خفايا لا يجرؤ الإنسان على مواجهتها أو الجهر بها خوفًا من ظلم المجتمع. واقعٌ يصوّر الطّفل يتعرّض فيه لأقسى أنواع التّعذيب ومنها الإساءة البدنيّة له، وهذا نتيجة الحروب وفقدان القيم، والعقم المنتشر في عصرنا هذا. فحملتنا الروائيّةلنعيش تجربة إنسانيّة نسجتها بأسلوبٍ أدبيّ  جعلنا نندمج بمعاناة هاني العاصي الّذي من خلال منحوتاته تنفجر مأساة حياته. فالإنسان يختزن في وعيه حصاد ذكرياته. وحين يهمّ بالخلق أو التّعبير عن نفسه، فإنّه يستقي من هذا المخزون ما يمكّنه من التّعبير الأقرب إلى الحقيقة من سواه.

may&cover
آدال الحوراني

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s