نضال الأشقر

مَن ربحَ معركةَ الشباب

ربحَ معركةَ…….. الحياة

nidal-achkar
سيدة المسرح نضال الأشقر

نضال الأشقر

التكريمُ دائمًا شرفٌ كبيرٌ للمكرَّم، فما بالُك إذا كان المكرِّمون من مؤسّسة أكاديميّة عريقة كالجامعة الأنطونيّة؟ عندها يكون الشرفُ مضاعفًا. يسرّني أن أقفَ هنا بينكم، أنتم حَمَلةَ المستقبل في عقولِكم وثقافتِكم وفي قلوبِكم. ونحن، بصفتنا أهلَ المسرح، يستقيمُ التكريم، فيكون المكرِّمون همُ المكرَّمَ في تماهٍ عميقٍ يجعلهم واحدًا، تمامًا كما هي حالُ الكاتبِ والقارئ، يتشاركان القراءة، ليصبحا واحدًا.

يكفيني أن أكون معكم لهذه المناسبة، مع باقة رائعة من المثقّفين والأكاديميّين الذين يبذلون قصارى جهدِهم، لكم أنتم الشباب الواعد الذي به نستشرف المستقبل، ونبني فيه أحلامَ الزمن الآتي.

وهنا بالذات، بالنسبة إليّ، الفارق الكبير بين تكريم وتكريم. وهنا بالذات يزداد تعلّقنا بكم، فأنتم تُحيون الأصلَ المهدَّد، وترمّمون أماني انكسرت، ورهاناتٍ انعطبت.

nid.png

كما يغمرنا فخرًا وزهدًا أنّكم أنتم من يمثّلون الطموحَ الغامض الذي لم يتبلور بعدُ، ولأجدَ نفسي مضطرّة أن أتساءل أمامكم، وبكثير من الاستياء حول ما آلت إليه هذه الدولة المتهاوية المتناهشة، المتناكرةُ في علاقة مسؤوليها بعضهم مع بعض. الدولة الفاسدة، والمفسِدة، منتجة الطائفيّة والمذهبيّة، والصراعات القائمة على محاصصة خيرات بلادنا. الدولة الشرسة في مطامعَ بلا حدود فلا يردعها القضاءُ على بيئةٍ، مِن قطع غاباتٍ وتلويث أنهرٍ وينابيعَ وبحار وهواء. وهي الدافعةُ بشبابنا إلى الهجرة، يأسًا وفقرًا.

إنّ هذا النزاعَ المذهبيَّ هو الذي يحمي هؤلاء الفاسدين، وهو الذي ينتهك القوانين والأعراف ويقمع شعبنا في حقوقهِ ومطالبِه ولقمة عيشه وكرامته وإيمانه.

إنّها لحظاتُ الانحطاط المزدهرة، في كلّ منحًى من مناحي هذه الدولة. إنّها اللّحظات التي لا تقودُ سوى إلى المجهول الأدهى، وإلى الانتظارات المُريبة.

ولولاكم لَخامرتنا أكثرَ مشاعرُ القنوط، لكنّني ما زلت أؤمنُ، على يقين ساطع، بأنّكم من سيصنعون التغيير، ويجترحون وسائلَ الاحتجاج، والمعارضة والإصلاح، والنهوضِ بهذا البلد العزيز، والمساهمة في بناء سلطة عادلة، ونظام متوازن، ودولة قائمة على قِيم المساواة والخير والعدل والحقوق المشتركة خارج حسابات المحاصصات الطائفيّة والمناطقيّة.

هذا الكلام السياسيُّ النابعُ من وجع الناس، ما كان لِيُقال لو لم أكن في صرح جامعة متحرّرة، منتِجة، هي الجامعة الأنطونيّة!

Bassam Barrak-cover

والجامعة الأنطونيّة تضُم كلّيّات هندسة المعلوماتيّة وإدارة الأعمال واللاهوت والإعلام والصحّة العامّة والرياضة والموسيقى ومركز اللغات، وفي عهد الأب الرئيس المثقّف الوطنيّ جرمانوس جرمانوس، فتحت آفاقها إلى العالم للخرّيجين لخوض سوق العمل. هذا كلّه وأكثر من ذلك، لأنّها هي مجسّدة القيم والمناقب والمحبّة التي تنشرها الجامعة بين طلّابها وعائلاتهم.

ورغم هذا التكريم، ينتابني الشكُّ دائمًا إذا كنتُ قد سلكت الطريق الصحيح، وإذا كنت قد أصبت قلوبَ اللبنانيّين وغيّرتُ ولو قليلًا النفوسَ المتعصّبة والمتصلّبة، وأتساءل: هل وصل الخَلق والإبداع بالكلمة والمسرح إلى روح الجمهور، وجعلتهم يتساءلون حول ما نحن فيه وكيفيّة الخروج من هذه الحال؟ لأنّ بدون المسرح سوف تتحوّل مدينة بيروتَ إلى مُجمّع تجاريّ كبير، مثلها مثلَ أيّ مدينة أخرى، وسوف نخسر ثقافتَنا المسرحيّة العربيّة الرائعة.

فالمسرح اليومَ هو الحصنُ الأخير للحوار بعدما التهمتِ الحوارَ ثقافةُ الاستهلاك والتسليع وثقافة الإبداع والحرّيّة، والجرأة ومواجهة الواقع، إنّه آخرُ سلاح يتواجه به المبدعُ بأفكاره والجمهور بمشاركته الحيّة والمباشرة.

لكي يلعبَ المسرحُ دورًا ديمقراطيًّا فعّالًا، يجب إيجادُ ورشة عمل كبيرة وخطة تنهض بالبلاد وتحوّلها إلى خليّة نحل حيث يعمل فيها المثقّفون والفنّانون والطلّاب والأساتذة يدًا بِيد للنهوض بمجتمعاتهم وبيئتهم إلى عالمٍ من البحث والدرس والتمحيص والتعبير الحرّ وصولًا إلى المسرح. لذلك يجب أن تُنشأَ العشراتُ من المراكز الثقافيّة والمسارح والمكتبات العامّة كي يصبحَ المسرحُ أداةً فعليّةً كما حصل مثلًا مع مالرو في فرنسا.

واليوم، مدينةُ بيروت تشهد إقفالَ مسارحِها واحدًا تلو الآخر، وتشيحُ الحكومة الطرْفَ، ولا تساعدُها، لأنّها لا تعتبر أنّ أهمّيّتها تكمن في بناء المجتمع والشباب خاصّة. فإذا دلّ هذا الأمر على شيء فإنّه يدلُّ على جهل وتراجع أكبرَ لدى الدولة والمسؤولين في فهم هذا الفنّ، وأهمّيّة الثقافة عامّة للنهوض بالوطن. وكيف لهم أن يفهموا المسرح، ونظامنا طائفيٌّ عشائريٌّ إقطاعيٌّ متخلّف بامتياز، يلبسُ ثوبَ الديمقراطيّة المزيّفة وهو فضفاضٌ عليه.

إذن، ما الذي شدّني إلى ذلك الضوء؟ إلى تلك البقعة الصغيرة الساحرة التي تجسّد ما نريد وما نريد أن نقول، وما نودّ أن نوصلَهُ إلى الآخر أبعدَ وأبعد، أكثر وأكثر!!! لعلّ ما شدني هو بالذات تقهقرُ الديمقراطيّة في عالمنا، والبحثُ عن أداة للتحريض على الحوار، وعن واحة للتفاعل الحرّ مع الآخر والمصير لأنّه، رغم القمع الصريح أو الخبيث في مجتمعاتنا، وجد المسرحُ اللبنانيّ دائمًا طُرقًا ومحاولاتٍ جدّيّة لإيجاد مسرح حديثٍ فعّال، وللولوج بتجربته إلى العالم الفسيح. ولكنّه لم يستطع أن يصبح جزءًا فعّالًا من التغيير لعِلّةٍ في نظامه السياسيّ وتكوينه. إذ إنّ المسرح يعيد الإنسان إلى روحه، وجذوره ووجدانه ويربطهُ ربطًا سحريًّا بأرضه ولغته وتاريخه ومستقبله، وهو في تكوينه يرفض كلّ ما يفرّق، ويجمعُ تحت سقفٍ واحدٍ جمهورًا متعدّد الانتماءات ويحرّض على الحوارِ المثمر على الفعل والتفاعل لا على الانفعال.

nidal

“لكنّ الحوار كما نريدهُ ونبتغيه لا يستقيم فعليًّا بدون تعميم الديمقراطيّة واحترام التعدّديّة وكبح النوازع العدوانيّة عند الأفراد والأمم على السواء”، كما قال سعدالله ونّوس.

نحن بحاجة إلى هذه المِساحة اﻹبداعيّة الحرّة والانفتاح على الآخر، والتواصل في ما بيننا وقبول الآخر واحترام الاختلاف.

ضمن هذه الرؤية يسكن هَوَسُ المبدعين الخلّاقين وتوقُهم إلى المعرفة، وهنا تكمن قوّتُهم في الانتقال بخفّة بين الزوايا المضيئة وفي نقض الثابت والهامد، وفي الهدم المُخلّص، ﻓﺈذا تخلّى المبدعون عن كلّ ما يدين ويكشف ويصدم ويفضح ويُثير، إذا تخلّوا عن إدانة الظلم وتعرية القهر ودعم العدالة فإنّهم يتخلّون عن سلاحهم الأمضى، أي اللّعب بالنار.

إنطلاقًا من هذه المسؤوليّة، وانطلاقًا من ذلك المسرح الفريد الذي نتوق إليه: عالمٌ ليس فيه حروبٌ حقيقيّة ولا يُراق دمٌ حقيقيّ، ولا سيوف ولا رماح إلّا من خشب، ولا قنابل إلّا من دخان، لكنّها تفعل في النفوس والخيال، وهي أمضى من السيف القاطع، وأعمقُ من الرمح وأبعدُ من الحقيقة. إنّه عالمٌ يعتلي فيه الفقيرُ العرش فيصبحُ حاكمًا في ثانية واحدة، ويَسقط الطاغية في ثانية واحدة أيضًا، ويقوم الشعب بثورة ويصل إلى مبتغاه بلحظة تجلٍّ مسرحيّ.

فشكرًا جزيلًا على بادرتكم في تكريمي، وشكرًا لكلّ الحاضرين الذين يشرفّني أن ألتقيَهم في هذا اللقاء في رحاب الجامعة الأنطونيّة العزيزة.


*القيت في حفل تكريمها إسما علما في الجامعة الأنطونية

Baabda

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s