حَرَكَاتُ الإِعرابِ نِعمَةً أَم نَقمَة؟!

في كتاب جديد موجّه إلى “مَجمَع اللُّغة العربيَّة”

عالم لغويّ يدعو إلى إلغاء الحركات الإعرابيّة!

Maurice Elnajjar-Emile Ya3coub
المؤلف د. إِميل بَدِيع يَعقُوب

مُورِيس وَدِيع النَجَّار

*حَولَ كِتابِ الدّكتور إِميل بَدِيع يَعقُوب، “يا مَجمَع اللُّغة العربيَّة أَرِحنا مِن حركاتِ الإِعراب”، الَّذي صَدَرَ مع كِتابَين آخَرَين له هما: “يا مَجمَع اللُّغة العربيَّة أَجلِسِ الهَمزَةَ وأَوقِفِ الأَلِف” وَ”يا مَجمَع اللُّغة العربيَّة أَنقِذنا مِن هذا النَّحْو”، مِن “المُؤَسَّسَةِ الحَدِيثَةِ لِلكِتابِ لبنان”:

 

لا رَيبَ في أَنَّ اللُّغَةَ العَرَبِيَّةَ، هي مِن أَقدَمِ لُغاتِ الدُّنيا(1)، وأَجمَلِها، وأَغناها، وأَطوَعِها، وأَشجاها جَرْسًا ودَلالَةً وتَنَوُّعًا. وهذا لَيسَ اعتِرافًا مِن أَبنائِها فقط، بل مِن مُستَشرِقِينَ كِبارٍ تَمَعَّنُوا بها، وأَدرَكُوا شُؤُونَها وشُجُونَها. أَوَلَيسَت لُغَةَ القُرآنِ الكَرِيمِ، ونَبِيِّهِ الَّذي قال فيها: ” وَاللهِ لَيسَ هُناكَ حَسناءُ تُضاهِي هذهِ اللُّغَةَ الأُمّ”؟!

و”اللُّغَةُ خَزَّانٌ لِتَجارِبِ ومَعارِفِ الأَجيالِ الماضِيَةِ، ووَسِيلَةٌ لِنَقلِ هذه التَّجارِبِ إِلى الأَجيالِ القادِمَةِ، كَما أَنَّها وَسِيلَةٌ لِمَعرِفَةِ العالَم”، على رَأيِ الكاتِبِ الأَلمانِيِّ يُوهان غوتفريد هردر (Johann Gottfried Herder, 1744 – 1803).

Johann Gottfried Herder
يُوهان غوتفريد هردر

واللُّغَةُ، كُلُّ لُغَةٍ، لا تُصبِحُ مَلَكَةً في النَّفسِ إِلَّا بعد سَهَرٍ مُتَواصِلٍ مع حُرُوفِها، وطُولِ أَناةٍ في عَقَباتِها، وسَفَرٍ طَوِيلٍ شِبهِ دائِمٍ في مَواكِبِ مَن دَبَّجُوا في نَسِيجِها الرَّصائِعَ، وخَلَّفُوا في خَزائِنِها الرَّوائِع.

ولُغَتُنا العَرَبِيَّةُ، على أَهَمِّيَّتِها، تُعانِي، في عَصرِنا هذا، أَزْمَةَ انكِفاءِ الأَجيالِ الجَدِيدَةِ عَنها، ولِلأَمرِ أَسبابٌ مِن أَبرَزِها تَعقِيداتُها النَحْوِيَّةُ الإِعرابِيَّةُ، حَتَّى باتَ يَصِحُّ فيها قَولُ المُتَنَبِّي: “ولكِنَّ الفَتَى العَرَبِيَّ فِيها    غَرِيبُ الوَجهِ واليَدِ واللِّسانِ”.

وعلى مَدَى السِّنِينَ قامَ الكَثِيرُون بِمُحاولاتٍ لِدَرأ الخَطَرِ الدَّاهِمِ، فَباءَت كُلُّها بِالإِحباطِ لِشَراسَةِ الهُجُوماتِ المُضادَّةِ، وتَحَجُّرِ الكَثِيرِ مِن الأَفكار.

ومِن البِرِّ في تَدَبُّرِ اللُّغَةِ العربيَّةِ، والحِفاظِ على كَنزِها الثَّمِينِ، الانفِتاحُ على كُلِّ تَجدِيدٍ جادٍّ، لا التَّقَوقُعُ في ما وَرِثنا، بل الانطِلاقُ مِنهُ، ومِن حِكمَةِ وَضعِهِ، ومَدَى كِفايَتِهِ، إِلى تَرَسُّمِ الآفاقِ المَفتُوحَةِ والمُتاحَةِ، لا بل الواجِبَةِ، لِبُلُوغِ نِظامٍ وافٍ أَكثَرَ مِن سابِقِهِ، مُنسَجِمٍ مع تَطَوُّرِ العَصرِ، وتَبَدُّلِ المَعايِيرِ الحَياتِيَّة.

وها هو العالِمُ اللُّغَوِيُّ الخَلِيلُ بْنُ أَحمَد الفَراهِيدِيّ، أَحَدُ كِبارِ مُؤَسِّسِي عُلُومِ العَرَبِيَّةِ، يَقُول: “فَإِن يَكُنْ سَنَحَ لِغَيرِي عِلَّةٌ لِما عَلَّلتُهُ مِن النَّحْوِ هي أَليَقُ مِمَّا ذَكرتُهُ بِالمَعلُولِ فَليَأْتِ بِها”.

لا أهمِّيَّة للحركاتِ الإِعرابيَّة

واليَومَ، طَلَعَ عَلَينا الصَّدِيقُ الكَبير، الدّكتور إِميل يعقوب، بكتابهِ القَيِّم “يا مَجمَع اللُّغة العربيَّة أَرِحنا مِن حركاتِ الإِعراب”. وزُبدَتُهُ الطَّرْحُ الآتي: “لا أهمِّيَّةَ للحركاتِ الإِعرابيَّة في تَبيان المعاني، إِلَّا في الأَسالِيب العربيَّة النَّادرة المُمكِنِ استبدالُها بأُخرى” (ص 12).

وهذه الدَّعوَةُ الصَّرِيحَةُ هي مُحاوَلَةٌ جَرِيئَةٌ منه قد تُحدِثُ انقِلابًا في رُكُودِ العَقلِ العَرَبِيِّ، ويَقِينًا سَتُثِيرُ دَهشَةً مُبارَكَةً فَـ”العِلمُ يَبدَأُ بِالدَّهشَةِ”، على ما رَأَى أَرِسطُو. وفي الواقِعِ، هو عادَ يُثِيرُ هذه المَسأَلَةَ الحَسَّاسَةَ، بَعدَ أَن مَرَّت على شَرارَتِها الأُولَى عُقُودٌ طِوال.

ibn jani
ابْنِ جَنِّيٍّ

وكانَ مِن أَبرَزِ القائِلِينَ بها العالِمُ اللُّغَوِيُّ المُلَقَّبُ قُطْرُب (821م). ومُؤَدَّى رَأيِهِ أَنَّ حَركاتِ الإِعرابِ الثَّلاثَ إِنَّما جِيءَ بِها لِلسُّرعَةِ في الكَلامِ، ولِلتَّخَلُّصِ مِن التِقاءِ السَّاكِنَينِ عِند اتِّصالِ الكَلامِ، ثُمَّ يُفَسِّرُ بَعدَ ذلك سَبَبَ اختِيارِهِم لِلعَلاماتِ الإِعرابِيَّةِ، ويُقَرِّرُ بِأَنَّها لَيسَت ذاتَ أَثَرٍ ولا دَلالَةٍ على المَعانِي”.

إِمِيل يَعقُوب لُغَوِيٌّ مَرجِعٌ، عالِمٌ ثِقَةٌ وعَرَبِيٌّ نُدْبَةٌ، ما ارتَضى كُلَّ ما جاءَ في مُصَنَّفاتِ اللُّغَةِ على أَنَّهُ مُنزَلٌ، مُنَزَّهٌ عن النِّقاشِ، بَل كانَ المُبتَكِرَ السَّخِيَّ الواهِب. قَضَى العمرَ المديدَ مُلازِمًا لُغَةَ الضَّادِ، مُستَخرجًا لُؤْلُؤَها المَكنُونَ، جالِيًا لِلمَلَأ جميلَ تُراثِها في كُتُبٍ أَربَت على المِئَتَين، فبات “يَنامُ مِلءَ جُفُونِهِ عن شَوارِدِها”، هو الَّذي ما ضَنَّ يومًا بِمَعلُومَةٍ على طالبٍ أو كاتبٍ أو سائل.

Maurice Elnajjar-cover
غلاف الكتاب

لقد فَقِهَ الضَّوابِطَ المَوضُوعةَ لِلُّغَة، ومَلَكَ نَحْوَها حتَّى الجَمامِ، فَتَبَدَّت له – وهذا هو رَأيُه الخاصُّ – في مَتنِها العَرِيضِ، تَعقِيداتٌ نَوافِلُ قد تُمسِي وَبالًا على استمراريَّتِها، ومُواكَبَتِها اللُّغاتِ الحَيَّة. فَتاقَ إلى القَضاءِ عليها، وراحَ التَّوْقُ يَتَأَجَّجُ في أَعماقِهِ لِسَنَواتٍ طِوالٍ، ثُمَّ أَدرَكَ أَنَّ بُلُوغَ الحَقِيقَةِ لا يَكُونُ بِالحُلمِ فقط، بل بِالسَّعيِ المُضنِي، والتَّضحِيَةِ الجَسِيمَةِ، فَسَفَحَ اللَّيالِيَ في الكَدِّ والجِدِّ والتَّنقِيبِ، وإِذ به، والعَينُ قَرِيرَةٌ، يَضَعُ المِبضَعَ السَّنِينَ في قُدْسِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ حيث رَأَى دُمَّلًا مُتَوَرِّمًا يَتَفاقَمُ لِيُودِيَ بِالنَّسِيجِ السَّلِيمِ الَّذي يُجاوِرُه، ويَدعُو جَهارًا، وبِبَساطَةِ المُرتاحِ إِلى رُؤيَتِه، إِلى طَرْحِ العلاماتِ الإِعرابيَّةِ، وإِراحَةِ كاهِلِ الضَّادِ مِن عِبْئِها الثَّقِيلِ الرَّازِحِ على كَلكَلِها لِسِنِينَ غَبَرَت، والحائِلِ بَينَها وبَينَ مُرِيدِينَ لها، شَغُوفِينَ بِجَمالِها. وهو، في قَصدِهِ هذا، على حَقٍّ، فَـ الفَهْمُ تَمَلُّكٌ لِلمَفهُوم”، والصَّعبُ مُنَفِّرٌ إِلَّا لِلنَّدَرَى.

وإِذا كانَ “أَوَّلُ التَّجدِيدِ قَتْلُ القَدِيمِ فَهْمًا”، كما يَقُولُ الشَّيخُ أَمِين الخَولِي، فَإِنَّ صاحِبَنا قَد وَفَّى ما عَلَيهِ إِذ امتَلَكَ أَزِمَّةَ العَرَبِيَّةِ بِقَدْرٍ ما بَلَغَهُ إِلَّا القَلِيلُون، ثُمَّ جاءَ بِطَرحِهِ المُثِيرِ لِلجَدَلِ، مِن سُدَّةِ العارِفِ القَدِيرِ، لا مِن مَخبَأِ العاجِزِ الغَرِير.

القارِئُ يَقرَأُ لِيَفهَمَ

ونَتَساءَلُ: أَلَيسَ صاحِبُنا على حَقٍّ في مَسعاه؟! أَم علينا أَن نَبقَى نُعانِي اكتِناهَ اللُّغَةِ وأُصُولِها وقَواعِدِها، فَنَنكَفئَ عَنها، حِينَ يَسعَى الآخَرُونَ إِلى لُغاتِهِم بِشَوقٍ، لِيَصِحَّ فِينا القَولُ المُشتَرَكُ لِطَهَ حُسَين وقاسِم أَمِين: “القارِئُ يَقرَأُ لِيَفهَمَ في أُورُوبَّا، بَينَما يَجِبُ أَن يَفهَمَ لِكَي يَقرَأَ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ”؟!

Ameen_Rihani
أمين الريحاني

صاحِبُنا لا يُعِيدُ صِياغَةَ القَواعِدِ في اللُّغَةِ، أَو يَستَثمِرُ فِيها لِنَشرِ كُتُبٍ تَدُرُّ عليه الدَّراهِمَ، وإِنَّما شَمَّرَ لِمُحاوَرَةِ ما وَرِثنا مِن السَّلَف، وتَقوِيمِ سَبِيلِهِ كَي تَكثُرَ السَّابِلَةُ على دُرُوبِ اللُّغَةِ، وتَعِجَّ أَيُّامُها بِالإِبداعِ والمُبدِعِين.

وهو، الضَّلِيعُ في أُمُورِها كافَّةً، والسَّابِرُ أَعمَقَ أَغوارِها، يَأتِي مِن أَعلَى مَراتِبِها، يَقُودُها إلى مَشرَحَةِ العَمَلِ المَسؤُولِ الجادِّ، ويَنتَزِعُ مِن جِسمِها ما يَراها عِلَلًا سَوفَ تَستَفحِلُ إِذا استَمَرَّ التَّغاضِي عن وُجُودِها بِسِياسَةِ النَّعامَةِ، والهُرُوبِ إِلى أَمام.

ويَقِينًا إِنَّ ما حَداهُ هو مُعاناةٌ مع طُلَّابِهِ سَحابَةَ عُمرٍ مَدِيدٍ مِن التَّعلِيمِ، ومع القُرَّاءِ مَدَى مَسِيرَةٍ عامِرَةٍ مِن التَّنقِيبِ والتَّألِيفِ والتَّوثِيقِ والنَّشرِ، وهو المُدرِكُ عَمِيقًا مع ابْنِ جَنِّيٍّ أَنَّ “وَظِيفَةَ اللُّغَةِ الأَساسِيَّةَ هي التَّعبِيرُ عن أَغراضِ كُلِّ قَومٍ”.

نَعَم… اللُّغَةُ هي رُوحُ القَومِ، وفِكرُهُم، وتَجَلِّي أَحاسِيسِهِم تُراثًا مَصُونًا، والعُروَةُ الوُثْقَى بَينَهُم، وجُذوَةُ ماضِيهِم الباقِيَةُ حَيَّةً عَبرَ السِّنِين.

ثُمَّ هل مِن غَرَضٍ أَسمَى، أَيَّامَنا هذه، مِن استِرجاعِ الشَّبِيبَةِ النَّافِرَةِ مِن تَعقِيداتِ الكِتابَةِ، إِلى كَنَفِ اللُّغَةِ الشَّفِيقِ الرَّفِيق؟!

Taha Hussein
طه حسين

هذا “النَّزيهُ المُحِبُّ للعلم، البعيدُ عن المُتاجَرَةِ به، غيرُ السَّاعي إلى الشُّهرة الباطِلَة، والرِّبح المادِّيِّ…” (ص 15)، ما كان لِيَطمَحَ، في أّيَّةِ مَرحَلَةٍ مِن أَبحاثِه، إِلى تَشنِيفِ أُذُنَيهِ بِالقَولَةِ القَدِيمَةِ المَعهُودَة: “زِدْهُ أَلفَ كِيسٍ أَزرَقَ، وعِشرِينَ مِن الجِمالِ ذاتِ الحَدَبَتَينِ”!

والمُطَّلِعُ على كتابه يُدرِك مدى الجُهدِ المَبذول، ووَفرَةَ المراجِعِ الَّتي طَرَقَها كي لا يُقَصِّرَ في إِبرازِ آراءِ المُنادين بِـ”نَظَرِيَّتِهِ”، وآراءِ داحِضِيها، مِن دون مَيلٍ أو تَغاضٍ أو إِجحافٍ، فَبَرَزَ أَكاديمِيًّا مِن طرازٍ عالٍ، مُتَجَرِّدًا مِن كلِّ هَوًى.

لقد فَتَحَ هذا المُفَوَّهُ، القابِضُ على أَزِمَّةِ الصَّرْفِ والنَّحْوِ، الوَثِيقُ الحُجَّةِ، السَّاطِعُ البُرهانِ، نافِذَةً على النِّقاشِ الجادِّ المُثمِرِ، بَعِيدًا مِن المُكابَرَةِ والتَّعَنُّتِ والعُبُودِيَّةِ العَمياءِ، ونحن نَشُدُّ أَزْرَهُ في تَحفِيزِ الحِوارِ، ونَدعُو القادِرِينَ إِلى انتِضاءِ الأَقلامِ المُتَنَوِّرَةِ، ووُلُوجِ ساحَةِ الجِدالِ المُفِيدِ، فَـ”العَقلُ يَقَعُ على العَقلِ”، والمَسِيرَةُ لا تَتَقَدَّمُ إِلَّا بِالتَّكاتُفِ، وتَبادُلِ الآراءِ، وُصُولًا إِلى الأَصوَبِ والأَجدَى والمُستَساغ.

Kassem Amin
قاسم أمين

ولا رَيبَ أَن دَعوَتَهُ سَتُلاقِي الرَّفضَ الصَّارِمَ مِن الكَثيرين الَّذين يَرَونَ عافِيَةً وتَوَرُّدًا ورُواءً حيث رَأَى هو العِلَّةَ المُبِينَة. ولا خُسرانَ في التَّضادِّ، فَمِنه تَنطَلِقُ شَرارَةُ الجَدَلِ الصِّحِّيِّ الَّذي نَأمَلُ له تَبَرعُمًا وتَفَتُّقًا وازهِرارًا. ولا يَخشَيَنَّ أَحَدٌ عاقِبَةَ المُناظَرَةِ، إِذ “لا يُمكِنُ أَن يَتِمَّ أَيُّ انقِلابٍ ذِهنِيٍّ مِن دُونِ تَمزِيق”، على ما يَرَى هربرت سبنسر (Herbert Spencer, 1820 – 1903).

حَرَكَاتُ الإِعرابِ نِعمَةً أَم نَقمَة؟!

وفي النِّهايةِ، يَقِينُنا أَنْ سَتَحكُمُ، بين الآراءِ المُختَلِفَةِ، الآيةُ الكَرِيمَة: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذهَبُ جُفاءً، وأَمَّا ما يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ في الأَرض﴾(2).

ويَهجِسُ في صَدرِنا الآتِي: بينَ قائلٍ بِحَتمِيَّةِ بَقاءِ الحَرَكاتِ الإِعرابِيَّةِ ضابِطًا لِلنَّصِّ ومُوَجِّهًا إِلى المَعانِي المَقصُودَةِ، ، وداعٍ إِلى زَوالِها بِحُجَّةِ عَدَمِ ضَرُورَتِها، وواجِبِ تَبسِيطِ اللُّغَةِ، والتَّرغِيبِ بِها، هل تَكُونُ حَرَكَاتُ الإِعرابِ نِعمَةً أَم نَقمَة؟!

وهل التَّخَلُّصُ مِن هذه الحَرَكاتِ سَيُفضِي، على رَأيِ المُنافِحِينَ عنها، إِلى قِراءاتٍ مُتَناقِضَةٍ أَحيانًا، تُبَدِّلُ في الدَّلالاتِ والأَغراض؟!

Alfarahidi
الخَلِيلُ بْنُ أَحمَد الفَراهِيدِيّ

لِنَأخُذ، مَثَلًا، الجُملَةَ الآتِيَة، مُجَرَّدَةً مِن الحَركاتِ الإِعرابِيَّة: (جاء القاتِل الأَمِير). فَإِذا قَرَأناها على النَّحوِ الآتِي: (جاءَ القاتِلُ الأَمِيرُ)، كانَ الأَمِيرُ نَعتًا لِـ “القاتِل” أَو عَطفَ بَيان. وإِن قَرَأناها هكذا: (جاءَ القاتِلُ الأَمِيرَ)، كانَ الأَمِيرَ مَفعُولًا بِه لاسمِ الفاعِلِ “القاتِل”. أما على النَّحوِ الآتِي : (جاءَ القاتِلَ الأَمِيرُ)، فَيَكُونُ الأَمِيرُ فاعِلًا لِـ”جاءَ”، والمَعنَى أَنَّ الأَمِيرَ زارَ القاتِلَ.

ومَثَلٌ آخَر: “أَنا قاتِل عَدُوِّي الجانِي”. فَلَو حَرَّكناها هكذا: “أَنا قاتِلُ عَدُوِّي الجانِي”، كانَ فِعلُ القَتلِ قَد تَمَّ قَبلًا. أَمَّا على النَّحوِ الآتِي: “أَنا قاتِلٌ عَدُوِّي الجانِي”، فَإِنَّ فِعلَ القَتلِ لَم يَتِمَّ بَعْدُ، وإِن كانَت نِيَّةُ القَتلِ مَوجُودَة.

ومَثَلٌ أَيضًا: ما أَبدَع الأَدِيب.

Herbert Spencer
هربرت سبنسر

فَلَو حَرَّكناها هكذا: “ما أَبدَعَ الأَدِيبَ”، كانَ “الأديب” مَفعُولًا بِه مَنصُوبًا، والتَّأوِيلُ: شَيءٌ أَبدَعَ الأَدِيب. أَمَّا إِذا حَرَّكناها هكذا: “ما أَبدَعَ الأَدِيبُ”، كانَ “الأديب” فاعِلًا مَرفُوعًا، وَلَتَغَيَّرَ مَعنَى الجُملَةِ بَينَ التِّلاوَتَين.

ونُقَدِّمُ القولَ الآتي: “أنا أُوَجِّهُ عَمَلِي في اتِّجاه ما سَبَقَني”. فإذا حَرَّكنا الهاءَ في “اتِّجاه” بِالكَسرَةِ أَو بِالتَّنويِنِ يَأتِينا مَعنَيانِ مُختَلِفان.

ونَستأنِسُ بالقول الوارد في كتابِ صاحِبِنا: “إنَّ الله بريءٌ مِن المُشركِينَ ورَسُوله” (ص 32). فَجَرُّ اللَّامِ في “ورَسُوله”، وضَمُّها، يُعطِيانِ مَعنَيَينِ مُتَضادَّين.

قَرِينَة المعنى

ورَدًّا على مَن يقولونَ بِضَرُورَةِ الحركاتِ الإِعرابيَّةِ لِتَبيان المعنى أَورَدَ الصَّدِيقُ المَثَل الآتي: “خَرَقَ المِسمارَ الثَّوبُ” (ص 77)، قائلًا إِنَّ قَرِينَةَ المعنى تُوَضِّحُ أَنَّ الفاعل هو المسمارُ حتَّى ولو نُصِب. فَنَقرَأُ أَمامَه: “ضَرَبَ الوالِدَ الوَلَدُ”. فهل تَدُلُّ قرينة المعنى أَنَّ الوالدَ هو الفاعلُ ولو نُصِبَ، ونحن نَعلَمُ، مِن الحكاية، أَنَّ الوَلَدَ عاقٌّ يَضرِبُ أَباه؟!

maurice al najjar
مُورِيس وَدِيع النَجَّار

على أَنَّنا لَن نَظلِمَهُ فهو لم يُعَمِّمْ دلالة “قَرِينَةِ المَعنَى” إذ يقول: “وهكذا نَرَى أَنَّنا نُمَيِّزُ بين الفاعِلِ والمَفعُولِ، في الكَثِيرِ مِن الجُمَلِ، استِنادًا إلى هذه القَرِينَة” (ص 81).

أَمَّا إذا استَنجَدَ بِـ”تَراتُبِيَّةِ الفاعِلِ والمَفعُول”، فنَسأَلُه: هل كلُّ قارئٍ على اطِّلاعٍ عليها؟!

وَإِذا اعتَمَدنا إِلغاءَ الحَرَكاتِ الإِعرابِيَّةِ قَطعًا، أَفَلا نُواجِهُ مَواقِفَ مُماثِلَةً لِما سَبَقَ، ونَرُوحُ نَبتَكِرُ لِكُلٍّ مِنها مَخرَجًا وقاعِدَةً، فَنَكُونُ كَمَن شَرَعَ مَغناهُ إِلى الرِّيحِ السَّمُوم؟!

ثُمَّ… أَلا تَكفِينا هذه الأَمواجُ الصَّاخِبَةُ مِن القِراءاتِ المُتَعَدِّدَةِ، تَأتِينا مِن كُلِّ أَوْبٍ وصَوْبٍ، ضارِبَةً أُصُولَ اللُّغَةِ بِعُرضِ الحائِطِ، حَتَّى باتَت مَقبُولَةً مِن شَرائِحَ واسِعَةٍ شاسِعَةٍ مِن النَّاس، وكَأَنَّها في النَّسَقِ الطَّبِيعِيِّ السَّلِيم؟!

Mustafa Jawad
د. مصطفى جواد

ونَتَفَكَّرُ، قَبلَ جُحُودِنا إِرثًا مُبارَكًا أَصِيلًا، بِقَولَةِ الدّكتُور مُصطَفَى جَواد: “أَلحُرُوفُ العَرَبِيَّةُ إِذا أُزِيلَت عَنها الحَرَكاتُ زالَت مِنها البَرَكات”، وإِن كان وَكْدُ مُؤَلِّفِنا الغَيُورِ هو إِلغاءُ الحَرَكاتِ الإِعرابِيَّةِ فَقَط.

ولَن نَسرُدَ المَزِيدَ مِن الأَمثِلَةِ، دِفاعًا عن الحَرَكاتِ الإِعرابِيَّةِ، لِضِيقِ المَجالِ، ولكِنَّنا نَسأَلُ هذا الجَرِيءَ اللَّبِيب: أَلا يَزُجُّ “إِلغاءُ حَرَكاتِ الإِعرابِ” القارِئَ في مَتاهَةِ التَّأوِيلِ الَّذي يُفضِي إِلى مَعانٍ مُختَلِفَة؟!

والكَلِماتُ، أَلَيسَت دَلالاتٍ على الأَفكارِ، كما يَرَى صَمُوئِيل جُونسُون؟!

فَكَيفَ لَها أَن تَقُومَ بِما عَلَيها مِن واجِبِ الدَّلالَةِ إِذا أَعاقَها الالتِباسُ والغُمُوض؟!

وهي، بِصِفَتِها رَسُولَ الكاتِبِ إِلى الأَمْلاءِ – والرَّسُولُ يَنقُلُ صُورَةَ عَقلِ المُرسِلِ -، هَل يَجُوزُ لها أَن لا تَكُونَ مُلُوكِيَّةَ الحُضُورِ، والأَداءِ، ثابِتَةَ الأَركانِ، لا تَسمَحُ بِالهَوَى الشَّخصِيِّ والانفِلاتِ، لاسِيَّما وإِنَّها تَدخُلُ جَمِيعَ المَجالِسِ، ومِنها العُليا السَّامِقَةِ العَمَدِ، الأَنِيقَةِ المَظاهِرِ، المُتَرَفِّعَة؟!

فَهَل نَرتَضِي أَن يَقرَأَها كُلٌّ على مِزاجِهِ، فَنَبتَنِيَ بُرْجًا جَدِيدًا لِبابِلَ بَعدَ أَن طَوَتهُ الحِقَب؟!

ثُمَّ أَلا تَعكِسُ وَحدَةُ اللُّغَةِ الكَثِيرَ مِن وَحدَةِ الشَّعبِ والمُجتَمَعِ، فَما يَكُونُ إِذا فُتِحَت على قِراءاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ تَتبَعُ مَيْلَ القارِئِ وارتِياحَهُ إِلى مَخارِجَ صَوتِيَّةٍ تُناسِبُهُ، وتُوائِمُ مَشرَبَه؟!

وهل لا تَطِنُّ في آذاننا صَرخَةُ الخَلِيفَةِ عَبْدِ المَلِكِ: “اللَّحْنُ (الخَطَأُ في اللُّغَةِ) في الكَلامِ أَقبَحُ مِنَ التَّفتِيقِ في الثَّوبِ النَّفِيسِ”!

وهل علينا أَلَّا نَخشَى الانزِلاقَ إِلى العامِّيَّاتِ إِذا أَرخَينا الحَبْلَ على الغارِبِ، فَباتَ كُلُّ جَوادٍ سَيِّدَ شَوْطِهِ، يُحَرِّكُ الكلامَ كما يَطِيبُ له التَّحرِيك؟!

وأَخِيرًا، نُسِرُّ إِلى قارِئِنا أَنَّ ما انتابَنا إِبَّانَ قِراءَةِ كتابِ صاحِبِنا النَّفِيسِ، إِنْ هو إِلَّا أَسئِلَةٌ نَضَعُها بين يَدَيه، هو العَلَّامَةُ الَّذي ما عَيَّى بِجَوابٍ يَومًا.

انتِهاكُ الأُصُولِ

صَدِيقَنا!

في زَمَنٍ تَسَلَّلَت فيه الرَّطانَةُ إلى الرَّصانَةِ في كَثِيرٍ مِن مَحافِلِ القَومِ، وأَضحَى انتِهاكُ الأُصُولِ في لُغَتِنا الجَمِيلَةِ يَمُرُّ مِن دُونِ أَن تَزْوَرَّ عَينٌ، أَو تَعلُو صَرخَةُ احتِجاج…

وفي أَيَّامٍ غَدَت فيها مُطارَحاتُ القائِمِينَ على سِياسَةِ المَلَأِ وقِيادَةِ المُجتَمَعِ، والإِعلامِيِّينَ الَّذينَ يَدخُلُونَ إِلى آذانِ المَلايِينِ، دَلِيلًا  مُبِينًا على مَدَى الانحِدارِ عن النُّطقِ السَّلِيمِ، والقِراءَةِ الرَّاقِيَةِ، ما يَجرَحُ، حَتَّى العَظْمِ، مَن تَسرِي العَرَبِيَّةُ، الَّتي يُباهِي بِها أَلسِنَةَ الأُمَم، نُسْغًا في عُرُوقِهِ…

وفي مُجتَمَعاتِنا العَرَبِيَّةِ، حيث تَتَراجَعُ اللُّغَةُ الأُمُّ، ويَنحَسِرُ التَّواصُلُ مَعها، وتَنكَفِئُ ناشِئَتُنا إِلى اللُّغاتِ الغَرِيبَةِ حَيثُ تَجِدُ لها مُتَنَفَّسًا مِن قَواعِدَ صارِمَةٍ يَصعُبُ استِيعابُها إِلَّا بِسَفْحِ السَّاعاتِ واللَّيالِي، حِين يَقفِزُ العَصرُ، ويَطِيرُ ولا يَسِيرُ، والحَياةُ الرَّاهِنَةُ تَقتَضِي مِن المُكافِحِينَ على دُرُوبِها سَعيًا لا يَفتُرُ، وسِباقًا لا هَوادَةَ فيه.

في كُلِّ هذه الظُّرُوفِ، حَسبُكَ أَنَّكَ حَرَّكتَ المياهَ الرَّاكِدَةَ بِعصاكَ السِّحرِيَّةِ، وفَتَحتَ المَجالَ فَسِيحًا لِلنِّقاش المُثمِرِ الَّذي، وَحدَهُ، يُخرِجُنا مِن مَتاحِفِ التَّارِيخِ، وزَوايا الجَفاءِ، إِلى الشَّمسِ الكاشِفَةِ، والتَّفاعُلِ مع العَصر، ومَيادِينِ الحَياة.

فَلا يَخذُلَنَّكَ عَذْلٌ مِن هُنا، وامتِعاضٌ مِن هُناك، وحَمَلاتٌ مِن هُنالِك، فَـ” النَّفِيسُ غَرِيبٌ حَيثُما كانا”(3)

لقد أَشعَلتَ سِراجَكَ، والنَّفَقُ يَعرُوهُ ظَلامٌ ومَفارِقُهُ صَعبَةُ الوُلُوجِ، فَمَن استَضاءَهُ فله الدَّربُ المُبِينَةُ، والعُبُورُ الآمِنُ، ومَن كابَرَ ولَعَنَ الشُّعلَةَ العارِضَةَ، لِنَفسٍ ما زالَت مُحَنَّطَةً في قَوالِبِ الماضِي، فَلَهُ ما أَرادَ مِن انكِفاءٍ، وليَحمِلْ عِبءَ تَقاعُسٍ يَنعَكِسُ على لُغَتِنا، وَجهِنا الحَضارِيِّ، وله أَن يَستَأنِسَ بِأَشباحِ الطَّرِيقِ الَّتي اختارَها ما طابَت له وَحشَتُها والمَصاعِب.

Samuel Johnson
صَمُوئِيل جُونسُون

أَمَلُنا أَن لا يُحكَمَ عليكَ قَبلَ التَّمَعُّنِ في كُلِّ كَلِمَةٍ سَطَّرتَها، وكُلِّ تَعِلَّةٍ أَورَدتَها، فَـ”مِن كلامِكَ تَتَبَرَّأُ، ومِن كَلامِكَ يُحكَمُ عَلَيك”(4)، واعلَم أَنَّ المَنطِقَ السَّلِيمَ صادِمٌ أَبَدًا، ولكنَّهُ “يَستَولِي على الأَمَدِ” في نِهايَةِ الكَرِّ والفَرّ.

أَمَّا نحن، فَلَن نَتَّخِذَ جانِبًا في ما يَخُصُّ طَرْحَكَ، لا مَعَكَ ولا عَلَيكَ، وإن كان هَوانا يَمِيلُ إِلى تَبسِيطِ العَرَبِيَّةِ الَّذي باتَ حاجَةً ماسَّةً، فَنَذِيرُ الآتي قد يكونُ شُؤْمًا، لا سَمَحَ الله!

كما إِنَّنا نُدرِكُ مَدَى غَيرَتِكَ على لُغَةٍ رافَقَتكَ على العُمرِ، وأَنتَ تَرَى عَقَباتٍ كَأداءَ في مَسِيرَتِها يُمكِنُ تَخَطِّيها.

أَلَا رَحِمَ الله أَدِيبَنا أَمِين الرَّيحانِي، لَكَم كان يُعانِي لِيَقُولَ بِمِلءِ فَمِه: “كَفانِي مِنَ النَّحْوِ مَشَقَّةً وعَذابًا، لَقَد أَنهَكتُ قِوايَ، وتَمَزَّقَت أَحشائِي بَينَ الكِسائِي، وسِيبَوَيْه، وابْنِ مالِكٍ، ونِفْطَوَيْه…”؟!

كُوَّةٌ في جِدارٍ مُغلَقٍ

إِمِيل يَعقُوب!

حَسبُكَ الصِّدقُ المُبِينُ في سَعيِكَ، وإِنَّنا لَنُبارِكُ مُحاوَلَتَكَ في كَونِها فَتَحَت كُوَّةً في جِدارٍ مُغلَقٍ صَفِيقٍ يَسُدُّ على الحِوارِ، ويُسَفِّهُ المُتَحاوِرِين، فَمِن قَناعاتِنا احتِرامُ كُلِّ رَأيٍ ولَو خالَفَ إِيمانَنا، ونحن على سُنَّةِ دِيكَارت (Décartes) في قَولِه: “لِكَي تَبلُغَ الحَقِيقَةَ يَجِبُ أَن تَنسَى مَرَّةً فِي حَيَاتِكَ جَمِيعَ الآرَاءِ والاعتِقَادَاتِ الَّتِي شَبَبتَ عَلَيهَا ثُمَّ تُقِيمُ أُسُسًا جَدِيدَةً لِآرَاءَ وَاعتِقَادَاتٍ شَخصِيَّة”.

باحِثَنا العَزِيز.

أَلَا قُل: “أَللَّهُمَّ إِنِّي بَلَّغتُ”… وَ”إِن لَم يَستَجِيبُوا لِنِدائِكَ، فَامْضِ وَحِيدًا، إِمْضِ وَحِيدًا…”، كما قالَ رابندرانات طاغُور، وَلَأَنتَ أَدرَكُ النَّاسِ بِصَرخَةِ مُحَمَّد مَهدِي الجَوَاهِرِي: “لِثَورَةِ الفِكرِ تَارِيخٌ يُحَدِّثُنَا/بِأَنَّ أَلفَ مَسِيحٍ دُونَهَا صُلِبَا”!

ثُمَّ سِرْ، في أَبحاثِكَ، ولا يُثَبِّطَنَّكَ عَن جِدِّكَ نَقدٌ مِن هُنا، وتَجَنٍّ مِن هُناكَ، وَلْتَكْثُرِ الرُّدُودُ عَلَيكَ، ولْيَتَفاقَمِ الجَدَلُ، فَعُقْبَى ذلك صُعُودٌ في المُرتَقَى، فَـ”ما دامَت تَسِيلُ اليَنابِيعُ… تَجرِي الأَنهُر”، على رَأْيِ جَلال الدِّين الأَفغانِي.

هكذا.

ومع خَشيَتِنا مِن أَن يَسرِيَ علينا قَولُ الجنرال شارل دِيغُول: “تَتَنازَلُ، بَدْءًا، عَن قُبَّعَتِكَ، ثُمَّ تُتبِعُها مِعطَفَكَ، ثُمَّ قَمِيصَكَ، ثُمَّ جِلدَكَ، وتَنتَهِي بِالتَّنازُلِ عن ذاتِك”…

فَإِنَّنا نُحَيِّي جُرأَتَكَ، وجِهادَكَ، ونُقُول مُخلِصين: عافاكَ الله!

language.jpg

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1): “اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ رُبَّما تَكُونُ أَقدَمَ لُغَةٍ في العالَمِ لِأَنَّها الأَكثَرُ تَعقِيدًا”

(العالِمُ اللُّغَوِيُّ لوِيس ماسِّينيُونLouis Massignon, 1883 – 1962)

(2): (القُرْآنُ الكَرِيمُ؛ سُوْرَةُ الرَّعْد؛ الآيَةُ 17)

(3): قال المُتَنَبِّي: “وَهَكَذَا كُنتُ في أَهلِي وفي وَطَنِي      إِنَّ النَّفِيسَ غَرِيبٌ حَيثُما كَانَا”

(4): (إِنجِيل مَتَّى، فَصْل 12، آيَة 37)

Advertisements

4 thoughts on “حَرَكَاتُ الإِعرابِ نِعمَةً أَم نَقمَة؟!”

  1. اللغة العربية والصراع بين الفصحى والعامية
    دعوات لتطويرها حتى لا يتجاوزها لغة العصر
    مدريد ـ «القدس العربي» ـ محمّد محمّد خطّابي٭: تحتفي الأوساط الأكاديمية في العالَم بالعربية باعتبارها لغة عالمية رسميّة متداولة ومُستعملة، في جميع المحافل والهيئات والمنظمات الدّولية، وقد صادف هذا اليوم في 18 من شهر كانون الأول/ديسمبر الجاري. جاء الاعتراف بحضور العربية على المستوى الدولي بعد نضالٍ متواصل وجهودٍ متوالية انطلقت بعد أن أقرّت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم اليونسكو ذلك، في الدورة الثانية والتسعين لمجلسها التنفيذي المنعقد عام 2012، قبل أن تقرّر الملحقية الاستشارية للخطة الدّولية لتنمية الثقافة العربية المعروفة بـ(أرابيا) المنبثقة عن اليونسكو هذا اليوم عنصراً أساسيّاً في برنامج عملها المتواتر في هذا المجال.
    ويؤكّد الخبراءُ المتخصّصون في هذا المجال أن قرار منظمة اليونيسكو جاء في سياق سلسلة من القرارات الدولية الأخرى للأمم المتحدة، ومنظماتها حول اللغة العربية، من بينها القرار(878) الصّادر عن الدّورة التاسعة للأمم المتحدة المنعقدة عام 1954، الذي كان قد أجاز الترجمة التحريرية لوثائقها إلى اللغة العربية، لتقرّر منظمة اليونسكوالعالمية عام 1966 استخدامَ اللغة العربية في المؤتمرات الإقليمية التي يتمّ تنظيمها في البلاد العربية، بالإضافة إلى إجازة المنظمة ترجمة الوثائق والمنشورات الصّادرة والمنبثقة عنها إلى اللغة العربية، ثم قرّرت اليونسكو كذلك في السّنة نفسها تقوية وتعزيز استعمال العربيّة في أعمالها، من خلال إقرار خدمات التّرجمة الفورية من اللغة العربية إلى غيرها من اللغات الأخرى والعكس في جلساتها العامة، وعند مشارف عام 1968 تمّ اعتماد العربية لغة عملٍ في هذه المنظمة الدولية، مع ترجمة مختلف وثائق العمل، وكذلك المحاضر إليها فضلاً عن توفير، وتأمين الترجمة الفورية بصفة نهائية.
    على الرّغم من هذه المكاسب المهمّة التي حققتها اللغة العربية على الصّعيد الدولي ما زالت تتوالى الدّراسات، وتُطرح التساؤلات، وتثار التخوّفات في المدّة الأخيرة عن اللغة العربية، وعن مدى قدرتها على استيعاب العلوم الحديثة ومواكبة العصرنة والابتكار والتجديد الذي لا تتوقّف عجلاتُه ولا تني، وتخوّف فريق من عدم إمكانها مسايرة هذا العصر المتطوّر والمُذهل.
    كما تحمّس بالمقابل فريق آخر فأبرز إمكانات هذه اللغة وطاقاتها الكبرى، مستشهداً بتجربة الماضي، حيث بلغت لغة الضاد في نقل العلوم وترجمتها شأواً بعيداً، وهكذا كثر الكلامُ في هذا المجال حتى كاد أن يُصبح حديثَ جميع المجالس والمنتديات والمؤتمرات، في مختلف البلدان العربية وخارجها.
    الحرف والخط العربيّ
    بالنسبة للحرف العربي ومعه الخطّ فقد تعدّدت نداءات لإصلاحه، وتحسينه، ولكنّها باءت جميعها بالفشل الذريع، وظلّت الغلبة للأشكال المتوارثة التي كتبت بها عشرات الآلاف من الكتب في مختلف الميادين العلميّة والفلسفية والأدبية وسواها، زعم البعض أن شكلَ الحرف العربي الرّاهن وتركيبه لا يتّفق مع العصر، فقدّم لنا في هذا السياق بعضُ الباحثين أشكالاً متباينة لخطّ جديد تشبه إلى حدّ بعيد رسوم الخط الإفرنجي، غير أن القارئ يكتشف منذ الوهلة الأولى أنها في غالبيتها أشكال غريبة عليه يمجّها ذوقه السليم، بل إنها تكلّفه عناءً شديداً في هجاء حرف واحد منها، والحقيقة أن جمالية الخط العربي أو حرفه لا تبارىَ، فقد ثبت الآن أنه حرف مثالي في جمال تكوينه وشكله وتنوّعه، وإلتوائه واستوائه وتعريجاته واختصاره، وإن الصفحة الواحدة من الكتاب العربي لو كتبت بالحرف اللاتيني لاحتاجت إلى صفحتين على الأقل، فالكتاب المؤلف من مئة صفحة بهذا الخط الجميل لا يمكن رصفه بأقل من مئتي صفحة بالحرف اللاّتيني، ثم أن تطوّر واستعمال الحواسيب الإلكترونية المتطوّرة الحديثة تتّجه سريعاً نحو أساليب جديدة مبتكرة للكتابة، ومعنى ذلك هو العدول بالتدريج عن أسلوب الرصف الحرفي واختصار القوالب، وقد توصّل بعض العلماء إلى ابتكار رسوم حديثة للحرف العربي لا تخرجه عن شكله، ولا تبعده عن أصله، ومع استعمال الكومبيوتر واحتضانه وانتشاره وقبوله للحرف العربي بسهولة ويُسر بنجاح باهر وبنتيجة مُذهلة، سقطت دعوى الداعين إلى استبداله بالحروف اللاتينية، وبذلك يفقد خصوم هذه اللغة معركتهم.
    إنه لمن المستغرب أن نجد بين ظهرانينا من يدعون إلى استبدال الحرف العربي بالحرف اللاتيني، متّخذين ممّا ابتدعه مصطفى أتاتورك للّغة التركية مثالاً يُحتذى، وكذلك بدعوى السّهولة واليسر وضبط الكتابة، وإبراز حركات الحروف، وهذه الدعوى باطلة من أساسها، تحمّس لها بعض خصوم هذه اللغة عرباً كانوا أم أجانب. ومن بين المفكرين الذين كانوا قد تحمّسوا لهذه الدعوى الكاتب سلامة موسى في مصر، الذي دافع عن هذه الفكرة، وقدّم تبريرات ومقترحات في شأنها، إنه يقول في ذلك: «هذا السّخط الذي يتولانا كلما فكّرنا في حالنا الثقافية وتعطيل هذه اللغة لنا عن الرقيّ الثقافي، تزيد حدّته كلما فكّرنا وأدّى بنا التفكير إلى اليقين بأن إصلاحها مستطاع، والقلق عام ولكنّ الجبن عن الابتكار أعمّ.
    النّحو العربيّ أو قواعد اللغة
    يشتكي النشء من متعلّمي اللغة العربية من صعوبة نحوها، وقد ذكّر البّاحث المغربي أحمد عصيد في هذا القبيل بما سمّاه «الصّعوبات الجمّة» لهذا النّحو، حيث يقول في ذلك «ونعتقد أن الأوراش الكبرى للغة العربية التي يعيها الأخصائيون في هذه اللغة وعيا تاماً تتعلق أساسا بضرورة النظر في النحو العربي وتحديثه، بسبب الصعوبات الجمّة التي يصادفها الأطفال والكبار على السّواء في تعلمه، وكذا النظر في الإملاء وتنميطه تنميطا حديثا».
    إن الخطأ الفادح الذى يقع فيه واضعو مناهج التعليم في معظم البلدان العربية كونهم يلقنون القواعد في صورتها الجافة قبل النصوص، في حين نجد القائمين على مناهج التعليم في المدارس الأوروبية على اختلافها يعوّدون التلميذ على التعامل مع النصوص في المقام الأول، فهو يقرأ ويعيد ويحفظ من غير أن يكون ذا إلمام بعلم النحو، ثم يطبّق بعد ذلك ما قرأه على القواعد، فإذا أردنا الخروج بنحونا من صلابته علينا أن نكثر في المراحل الأولى من مناهج تعليمنا من النصوص، فالتعامل مع النصّ يكسب الطالب أو المتعلّم سليقة فطرية، ويعوّده بطريقة تلقائية على أشكال الحروف وبنائها وتراكيبها وتعدّد أساليبها، فقد وجدت النصوص مذ كانت العربية، أمّا النحو» كعلم قائم مدوّن» فلم يوضع إلاّ في زمنٍ متأخّر، أيّ في القرن الأوّل الهجري على يد الخليل بن أحمد الفراهيدي كما هو معروف.
    مسألة الشّكل
    وتنبثق عن النحو العربي مسألة اخرى يرى فيها البعض مشكلة قائمة بذاتها وهي مسألة» الشّكل» شكل الحروف العربية تفادياً للغموض واللبس والإبهام. وهناك إتهام مشهور يوجّه لأبناء اللغة العربية، في هذا الصدد، وهو أنه حتى كبار دارسيها يحارون أو يتعثّرون في بعض الأحيان عند قراءة نصّ من النصوص العربية مخافة الخطأ او اللحن ومن أجل شكلها شكلاً صحيحاً. على حين أننا نجد القارئ الفرنسي، أو الإسباني –مثلا- حتى وإن كان دون مستوى مرحلة الثانوية العامّة يقرأ النصوصَ في لغته بطلاقة من غير أن يرتكب خطأ واحداً، وهذه من أخطر الإتهامات التي توجّه للغة العربية، ويرى في ذلك الباحثون رأيين إثنين، يقول الأوّل:أن اللغة العربية ليست صعبة كما يدّعون، بل أن النقص كامن فيمن لا يجيدها حقّ الإجادة، وإذا كان المرء عالماً بأصولها، مطلعاً على أسرارها، دارساً لقواعدها، ملمّاً بأساليبها فإنّه لا يخطئ أبداً، في حين يذهب الرأى الآخر أن العربية فعلا تشكو من هذه النقيصة، ففيما يخصّ شكل الكلمات على الأقل. هناك كلمات يحار المرء في قراءتها القراءة الصحيحة وقد يقرأها على غير حقيقتها، وهناك أخرى يمكن نطقها على خمسة أو ستة أوجه، وهذه مشكلة في حدّ ذاتها، ولكن كما أسلفتُ آنفا فإنّه مع المِران، والممارسة، والقراءة المتعدّدة وتتبّع السياق كل ذلك يساعد على تفادى أمثال هذه الأمور التي لم تحلّ أبداً دون التأليف والخلق والإبداع المستمرعلى إمتداد التاريخ العربي الحافل بجليل الآثار في كل علم.
    الفُصحىَ أم العاميّة
    تعدّدت الدراسات بين مؤيّد للعامية متعصّب لها بدعوى التبسيط والسهولة واليُسر، وبين متمسكٍ بالفصحى لا يرضى بها بديلا. والحقيقة أن الغلبة كانت للفصحى على الرغم من هذه الدعوات والمحاولات، فكم من كاتب نادى وتحمّس للعاميّة وعمل على نشرها وتعميمها، ثمّ عاد يكتب بفصحى ناصعة صافية نقيّة، وفى فترة مّا من حياة الكاتب الراحل محمود تيمور كان قد تحوّل عن الفصحى إلى العامية بل ّنه كتب قصصاً بها غير أنه سرعان ما عاد كاتباً عربياً مبيناً، بل ومتحمّساً كبيراً للفصحى ومدافعاً عن لوائها كعضو بارز في مجمع اللغة العربية بالقاهرة. ودعوات الأديب اللبناني سعيد عقل، إلى إستعمال العامية معروفة وسال من أجلها حبر غزير.
    هذا وقد أثير في المغرب مؤخّرا نقاش حام حول هذا الموضوع سرعان ما خبا أواره، وخمدت ناره، حيث دعا بعضُهم إلى إستعمال «الدّارجة» (العاميّة) بدل الفصحى في بعض مراحل التعليم، وعزا هؤلاء عن غير رويّة، ولا بيّنة ولا علم ولا برهان المشاكل التي يتخبّط فيها التعليم في هذا البلد وسواه إلى هذا الأمر، ولكن هذه الدعوة الواهية سرعان ما وئدت هي الأخرى في مهدها.
    المستشرقون ولغة الضّاد
    يقول المستشرق الفرنسي «لوي ماسّنيون» في كتابه (فلسفة اللغة العربية): «لقد برهنت العربية على أنّها كانت دائما لغة علم، بل وقدّمت للعلم خدمات جليلة باعتراف الجميع، كما أضافت إليه إضافات يعترف لها بها العلم الحديث، فهي إذن لغة غير عاجزة البتّة عن المتابعة والمسايرة والترجمة والعطاء بالروح والقوّة والفعالية نفسها التى طبعتها على إمتداد قرون خلت، إنها لغة التأمل الداخلي والجوّانية، ولها قدرة خاصّة على التجريد والنزوع إلى الكليّة والشمول والإختصار..إنها لغة الغيب والإيحاء تعبّر بجمل مركزة عمّا لا تستطيع اللغات الأخرى التعبير عنه إلاّ في جُمَلٍ طويلة ممطوطة». إنّه يضرب لذلك مثالاً فيقول: «للعطش خمسُ مراحل في اللغة العربية، وكلّ مرحلة منه تعبّر عن مستوى معيّن من حاجة المرء إلى الماء، وهذه المراحل هي: العطش، والظمأ، والصَّدَى، والأُوّام، والهُيام، وهو آخر وأشدّ مراحل العطش، وإنسان «هائمٌ» هو الذي إذا لم يُسْقَ ماء مات»، ويضيف ماسّينيون: «نحن في اللغة الفرنسية لكي نعبّر عن هذا المعنى ينبغي لنا أن نكتب سطراً كاملاً وهو «إنه يكاد أن يموت من العطش» ولقد أصبح «الهيام»(آخر مراحل العطش وأشدّها) كناية عن العشق الشّديد. وآخر مراحل الهوى، والجوى، والوله، والصّبابة.
    يرى «بروكلمان» أن معجم اللغة العربية اللغوي لا يضاهيه آخر في ثرائه. وبفضل القرآن بلغت العربية من الاتّساع إنتشاراً تكاد لا تعرفه أيُّ من لغات الدنيا. ويرى «إدوارد فان ديك»: أن العربية من أكثر لغات الأرض ثراءً من حيث ثروة معجمها وإستيعاب آدابها».
    المستشرق الهولندي «رينهارت دوزي» (صاحب معجم الملابس الشهير): يقول» أن أرباب الفطنة والتذوّق من النصارى سحرهم رنين وموسيقى الشّعر العربي فلم يعيروا إهتماما يُذكر للغة اللاتينية، وصاروا يميلون للغة الضاد، ويهيمون بها.»
    «يوهان فك»: يؤكّد أن التراث العربي أقوى من كلّ محاولة لزحزحة العربية عن مكانتها المرموقة في التاريخ». جان بيريك: «العربية قاومت بضراوة الاستعمار الفرنسي في المغرب، وحالت دون ذوبان الثقافة العربية في لغة المستعمر الدخيل». «جورج سارتون»: «أصبحت العربية في النّصف الثاني من القرن الثامن لغة العلم عند الخواصّ في العالم المتمدين». وهناك العشرات من أمثال هذه الشهادات التي لم تُخْفِ إعجابها الكبير بلغة الضاد يضيق المجال لسردها في هذا المجال.
    ٭ مستشار، وخبير سابق في مكتب تنسيق التعريب في الوطن العربي التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)، عضوالأكاديميّة الإسبانيّة – الأمريكيّة للآداب والعلوم – بوغوتا- (كولومبيا).

  2. شكراً جزيلاً من سويداء الفؤاد للباحث الجهبذ الأستاذ الكبير موريس وديع النجار حفظه الله على هذا المقال الرائع. والشكر الخالص والإمتنان العميق للأديب الألمعي، والإعلامي اللوذعيّ الصديق العزيز الأستاذ الفاضل George Traboulsi على هذا الإبحار والإبهار فى يمّ لغة الضاد التي تجمعنا…
    هذه نتف من مقال مطوّل سبق أن نشرته لي حول لغتنا الجميلة كلّ من ” الأنوار” و” Aleph-Lam الرائدتين والواعدتين والمتجددتين تحت عنوان:” اللغة العربية وتحدّيات العصر” … جاء فى فصل “النّحو العربيّ أو قواعد اللغة والشكل” ما يلي: يشتكي النشء من متعلّمي اللغة العربية من صعوبة نحوها، وقد ذكّر البّاحث المغربي أحمد عصيد في هذا القبيل بما سمّاه «الصّعوبات الجمّة» لهذا النّحو، حيث يقول في ذلك «ونعتقد أن الأوراش الكبرى للغة العربية التي يعيها الأخصائيون في هذه اللغة وعيا تاماً تتعلق أساسا بضرورة النظر في النحو العربي وتحديثه، بسبب الصعوبات الجمّة التي يصادفها الأطفال والكبار على السّواء في تعلمه، وكذا النظر في الإملاء وتنميطه تنميطا حديثا».
    إن الخطأ الفادح الذى يقع فيه واضعو مناهج التعليم في معظم البلدان العربية كونهم يلقنون القواعد في صورتها الجافة قبل النصوص، في حين نجد القائمين على مناهج التعليم في المدارس الأوروبية على اختلافها يعوّدون التلميذ على التعامل مع النصوص في المقام الأول، فهو يقرأ ويعيد ويحفظ من غير أن يكون ذا إلمام بعلم النحو، ثم يطبّق بعد ذلك ما قرأه على القواعد، فإذا أردنا الخروج بنحونا من صلابته علينا أن نكثر في المراحل الأولى من مناهج تعليمنا من النصوص، فالتعامل مع النصّ يكسب الطالب أو المتعلّم سليقة فطرية، ويعوّده بطريقة تلقائية على أشكال الحروف وبنائها وتراكيبها وتعدّد أساليبها، فقد وجدت النصوص مذ كانت العربية، أمّا النحو» كعلم قائم مدوّن» فلم يوضع إلاّ في زمنٍ متأخّر، أيّ في القرن الأوّل الهجري على يد الخليل بن أحمد الفراهيدي كما هو معروف.
    وتنبثق عن النحو العربي مسألة اخرى يرى فيها البعض مشكلة قائمة بذاتها وهي مسألة» الشّكل» شكل الحروف العربية تفادياً للغموض واللبس والإبهام. وهناك إتهام مشهور يوجّه لأبناء اللغة العربية، في هذا الصدد، وهو أنه حتى كبار دارسيها يحارون أو يتعثّرون في بعض الأحيان عند قراءة نصّ من النصوص العربية مخافة الخطأ او اللحن ومن أجل شكلها شكلاً صحيحاً. على حين أننا نجد القارئ الفرنسي، أو الإسباني –مثلا- حتى وإن كان دون مستوى مرحلة الثانوية العامّة يقرأ النصوصَ في لغته بطلاقة من غير أن يرتكب خطأ واحداً، وهذه من أخطر الإتهامات التي توجّه للغة العربية، ويرى في ذلك الباحثون رأيين إثنين، يقول الأوّل:أن اللغة العربية ليست صعبة كما يدّعون، بل أن النقص كامن فيمن لا يجيدها حقّ الإجادة، وإذا كان المرء عالماً بأصولها، مطلعاً على أسرارها، دارساً لقواعدها، ملمّاً بأساليبها فإنّه لا يخطئ أبداً، في حين يذهب الرأى الآخر أن العربية فعلا تشكو من هذه النقيصة، ففيما يخصّ شكل الكلمات على الأقل. هناك كلمات يحار المرء في قراءتها القراءة الصحيحة وقد يقرأها على غير حقيقتها، وهناك أخرى يمكن نطقها على خمسة أو ستة أوجه، وهذه مشكلة في حدّ ذاتها، ولكن كما أسلفتُ آنفا فإنّه مع المِران، والممارسة، والقراءة المتعدّدة وتتبّع السياق كل ذلك يساعد على تفادى أمثال هذه الأمور التي لم تحلّ أبداً دون التأليف والخلق والإبداع المستمرعلى إمتداد التاريخ العربي الحافل بجليل الآثار في كل علم.
    ألف تحية ومحبة وتقدير لهذا الموقع الأدبي، الثقافي،والتاريخي، والعلمي، والإعلامي الرّصين وللمشرف عليه بألمعية فائقة، وحِرفيّة كبرى الأديب الجليل ، والإعلامي المتميّز الأستاذ جورج طرابلسي حفظه الله.

  3. مقالة رائعة، عكست لنا اولا ثقافة موريس وديع النجار، ورقيه، وانفتاحه واحترامه لفكر الآخر الذي قد يكون مخالفا لفكره، وعمق معرفته اللغة ومحبته لها… كما عرفنا برجل فكر هو الدكتور إميل بديع يعقوب الذي لم يخش الدخول في حرب تنذر من بدايتها بالويلات. لا يسعني الخوض في موضوع الكتاب من دون الاضطلاع عليه. اكتفي بأن أشير الى عناية موريس وديع النجار الفائقة بتحريك نصه، والى اسلوبه الذي يعتمد مقولة: “ضربة على الحافر ضربة على المسمار” … قد يشكل كتاب الدكتور إميل بديع يعقوب إعصارا وقد يكون مجرد صرخة في واد. ولكنه من دون شك يترك بعنوانه الصارخ صدى يوقظ الكثيرين من سباتهم…

  4. شُكرٌ مِن القَلبِ إِلى الأَدِيبَين الرَّائِعَين د. مارلين وديع سعادة وَ د. مُحَمَّد مُحَمَّد خَطَّابِي على تَشجِيعِهِما وتَقدِيرِهِما. أَمَدَّ اللهُ في عُمرِ قَلَمَيهِما لِيَبقَى لِلعَطاءِ مَعِينٌ كَوْثَر! مُورِيس وَدِيع النَجَّار

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s