بلقيس ابو خدود صيداوي… “دُمُوْعها” تغني!

 

تبقى العودة الى مجموعتها الشعرية أصدق تعريف بها وافضل مرجع عنها

بلقيس ابو خدود صيداوي… قصائدها تغوي و”دُمُوْعها” تغني

انطوان ابو رحل

 

بلقيس ابو خدود صيداوي شاعرة الصفحة الثقافية في “الانوار” بلا منازع…

على هذه الصفحة أغوتني قصائدها، وكنت أجد كلما قرأتها ما يدعوك الى ان تحتويه، وتضيع فيه.

قصائدها مسافات شعرية لم أجد لها اسماً الا أنها شعر ممرع، ممتع، ريان. وحين رحت أفتش على نتاجها وقعت على مجموعات قيمة لها، وهي: “همسات من سَبَأ ” (شعر 1980 في مطابع نصرالله)، “دُمُوْعٌ تغني” (شعر 1997 في مطبعة النور )، “بقاءٌ وزوال” (شعر 1998 في مطبعة النور)، “ري مي في الغاب” (مسرحية شعرية 1998 في مطبعة النور)، “ماري كوري” (بحث 2002 في مطبعة النور)، و”بيت الرِّمال” (شعر2009 في مطبعة النور).

تخال ساعة تقرأ بلقيس صيداوي ان الكلمة عندها صارت دلالاً حلالاً، واستحياءً، وخفراً، وأهوية صارت نسائم وربيعاً جاء في غير أيامه، وان الرقة صارت على يدها مدرسة للرقة.

ففي قصيدة ” شكوى” من ديوان “همسات من سَبَأ ” تقول: “يا طيوراً في الروابي/ لامِسي نَفْسي، وذوبي!/ هل رأيتِ السيف يَفْري/مُهْجَةً يومَ الحروبِ؟!/هَكذا يُفْرَى فؤادي،/يا لآلامِ المغيبِ”.

وكلما استعدت هذه الابيات في “شكوى” اعتقد انك تسمع اصغاء الورق بمرور  كلماتها عليه، او انك تتشمم لكلماتها رائحة تبلغ منك حيث لا تبلغ رائحة الزهر وصليل السيف.

وفي قصيدة “خذني”، تتأوه بلقيس: “إن قلتُ: لا أهوى سوى قَلَمٍ/كنتُ النُّهى، والفِكْرَ في دُرَرِ!/ ترْتاحُ نَفْسي، كلما انسكَبَت/منه حُروفٌ .. عَذْبَةُ الأَثَرِ!”.

“مملكة سَبَأ”

“خذني” القصيدة التي تربت في أعماق بلقيس ابو خدود صيداوي كما تتربى لؤلؤة، هي قصيدة تسترجع وتستطاب وتمتعك بلقيس وتفرش لك من حبها، ووحدتها، وذهولها، “والفكر في درر” رياضاً لما تتسع له من فكر وحس، فتجلس اليها وتجالسها وكأنك تحت خيمة مطرزة بقطع من الحب والسعادة في “مملكة سَبَأ” تترجرج، وتتزحزح، ثم تمشي اليك كأنها “الملكة” وقد وعت الشاعرة بلقيس اي اسم تحمل فـ”سَبَأ” دولة، قامت قديماً في اليمن، في الجزيرة العربية بعد انقراض الدّولة “الحِمْيَريّة” في تلك البلاد، وكانت “مَأْرِب” عاصمة لها. اعتلت عرش هذه الدولة في عصر سليمان الحكيم، امرأة عظيمة هي الملكة بلقيس.

ويروى في بعض النُّصوص الاسطوريّة القديمة، أنَّ رحلة الطير “الهدهد”، قضاءً وقدراً، الى هذه المملكة أدت الى تحول في مصير الملكة بلقيس . لكن شاعرتنا في “همساتها” عبرت عن تلك المرحلة بقصيدة عنوانها : “فَتَنَتْ بلقيسُ الهُدهُد”: “فَتَنَتْ “بلقيس” الهُدْهُدْ”!/فَتَنَتْهُ، حتى أنْسَتْهُ/مِيعاد العَوْدَةِ “لِلسَّيد”…/ذي التاج السَّمْحِ …”سُليمان”/المَلْكِ العاتي، والمُرْسَلْ/للأرض العَطْىشى، للنّاسِ/برسالةِ رَبٍّ قُدْسيّة!”. وتضيف: “بلقيسٌ” في أبهى الحُلَلَ/ ولَدَيْها الحُسْنُ المرْئيُّ/تختالُ بتاجٍ، تَنْسَجِمُ…/ والعرش… رفيعٌ ملكيٌّ”.

خاضت بلقيس ابو خدود صيداوي في “همسَاتٌ من سَبَأ” وباقي دواوينها مغامرة ادبية اهدت اليها نعمة ان تنظم ما نظمت، واهدت الينا متعة ان نقرأ، بالموزون المقفى، ما كتبت، وما وقع منا موقع الرضى، وان نكتب على ما كتبت، كلما غلب علينا الشوق الى ما يثلج نفوسنا، ويبهجها، ويطيب لنا، ويحلو كلام عليه لأن فيه رجع صدى التاريخ وصمت، وتصوف، وصفاء، واصوات اذا القيت بسمعك اليها، وشغلت بها اذنيك، عادتك بأصداء تحرك منك دمع عينيك وتطيل، ابداً، متعة لقائك الشعري بها.

بلاغة المعنى والحسن

كلما توغلت في ديواني بلقيس “دُمُوْعٌ تُغَنيِّ” و”بَقَاءٌ وَ زَوَال”، تقرأ شاعرة ذات دل تمضي عمرها خارج عمرها، حتى اذا اعتدل ليلٌ ليذهب وانتبه فجر ليقبل، انكفأت الى ذاتها، فخلعت وشيها، وخرجت من زينتها لترتدي ليلاً آخر من صنع يديها، تمتع عينيها بوجهه، وتكل قلبها الى سره. ففي الوطنيات وفي قصيدة “نشيد الجيش اللبناني” تقول: “فِي الوَغَى، يَوْمَ الرَّدَى،/ مَنْ يُسَاوِيِنَا مَضَاءْ/وَمْضَةٌ مِنْ سَيْفِنَا،/تَجْعَلُ البَاغِي هَبَاءْ!”.

اليس في هذه الابيات ما يضاهي المتنبي في فخره؟!

وفي “نشيد الدفاع المدني” تقول باعتزاز: “عَزْمُنَا فَي الخَطْبِ حَاضِرْ،/كُلُّنَا نَهْوَى المَخَاطِرْ…/ نَبْذُلُ الأَرْوَاحَ طَوْعاً…/ فَالفِدَا رَمْزٌ وَخَاطِرْ/لَا نُبَالِي بِالرَّزَايَا،/نَحْنُ أبْطَالٌ تُغاَمِر”.

وفي قصيدة عن “كُتاب لبنان” تقول: “تِلْكَ الحَضَارَاتُ الَّتي سَطَعَتْ/لَوْلَا شُعَاعُ العَقْلِ لَمْ تَقُمِ/ الإِنْسَانَ في كُتُبٍ…/ تَبْقَى، وَيَفْنَى النَّاسُ في العَدَمِ”.

في هذه الاناشيد تذوب بلقيس ابو خدود صيداوي وتسكر وتنتشي من عمق فكرها على بساطة عرضها وكأنها تحدثنا ببلاغتين بلاغة المعنى وبلاغة الحسن في الشعر فاستهامت بتلك الاناشيد وراحت تنشرها مغناة جذلى فيعتريك منها طربٌ.

حريق من حب

اما في ديوان ” دُمُوْعٌ تُغَنِّي” فان بلقيس تعيش في حريق من حب، وفي شجو الف عاشق من هجر ألف معشوق، ليس بينهم الا ما بين ثغرين متعاشقين. وفي هذه القصائد تجد صدى من وجدك، من بعض عمرك، وكذلك كما في قصيدة “وجهان لوحدتي” تقول: “تحوي.. ومنْ ذاك الهَوَى../ باقٍ… ومِنْهُ لَوْعَتي!/ أَشْلاءُ تَخْتً مُتْعَبٍ/تَحْكِي حَكَايا عِزَّتي!”.

فالشاعرة بلقيس شاجنة، سحارة، واخذت من تختها المتعب “حكايا عزتها” فاذا هي شاعرة على جرأة نادرة وكأنها تأبى ان تسكر الا بكلمة تنضجها على جسدها، فتحبسها آناً وتحتبسها آناً. وانت تقرأها تحس انها احبت لا لينتهي وجعها بمن تحب بل لتداريه وتداوره، وتساريه وتسايره وتتسبب الى رضى الحبيب فتأخذ بيدك الى شعر، وعمق، وصداقة لا تزول.

فإذا قصائدها مخبوء حسنها في حسنها، موصول سرها بسحرها، مرجوع صداها الى صوتها، حتى اذا نظرت اليك اطلعت عليك فجراً ندياً.

وفي مسرحية “ري مي في الغاب” الشعرية اعجاز في السكب وكأنه شجو دفين مع روعة البساطة ووصال بالكلمة لا ترتوي منه.

وجميل في عندلة بلقيس ابو خدود صيداوي ان صاحبتها موقوفة ضلوعها على هوى لا مصابرة عنه ولا ملالة منه، قديم بعض العهد به، وجديد بعضه الآخر، بليان كتب حيناً، وحنان كتب حيناً آخر.

قصائد الشاعرة بلقيس لا تقرأ، انها تعاش في مسافات شعرية بها من الحسن ما لا يرجى حسن بعده إلا بها. وقد تولت عنك تلك الرقائق في الحب والحبيب وتركت لك من نفسها لهباً احمر كأنه عروق من جمر.

قصائدها تذكرك بحكاية بين شاعرة مثلها وشاعر آخر من فرنسا وتقول الحكاية : “يوم اصدرت الشاعرة الفرنسية لويز دو فيلموران كتابها sainte une fois  ارسل اليها جان كوكتو هذا الكلام: “يا للسحر في ما كتبت. قصائدك زجاجات خمر. رفاق سفر، انت وانا، على مركبة واحدة، وجهتنا ان لا وجهة لنا، مسافران نحن الى عالم خلبنا، ثم جفانا عن صلته، فخرجنا في اغباش الفجر الى لقاء الانسان فيه”.

اليست قصائد بلقيس ابو خدود صيداوي زجاجات خمر وتحتوي سحراً؟ وهل اكرم للانسان  – الشاعر من وقفة شهادة، تختصر طموح العمر… وتعبر عن قيم الابداع؟!

تسمع الشاعرة فتعجب، تسمعها فتطرب تقرأ دواوينها فتحبها كانسانة وكشاعرة معاً لان فيها خصائص فنية وفيها ايحاءات ثرية.

وتبقى العودة الى مجموعتها أصدق تعريف بها وافضل مرجع عنها لانك تجد فيها الذات الطبيعية، دون تكلف ولا تصنّع، وتحس الصدق والبساطة والعفوية، شأن ما يتميز به شعراء الطليعة.

 

 

 

 

Advertisements

“يا حاملِه بالشِّعِرْ تاجْ المملكِه”

 

علي بكري

 

 

أ – الوردِه النديِّه وْراقها عِملو سَبَقْ

غلّو بشَعـرِكْ فلْ، ياسمين وحبَقْ

ولمّا العِطِرْ من ورِدْ إيدكي عَبَقْ

النّحل اشْتَلَقْ، صوبِــــكْ مَــــرَقْ

مونِة سِنِه من شَهِدْ بسْمَاتِكْ سَرَقْ

 

م– من وين جبتي هالحلا ونور السِّنِه؟

بنتِ “الوجيه” لْ كانْ فيها يعتني

حْروفِكْ نِدي بَلَّلْ وْراق السَّوْسنِه

وْحِبْرِكْ سَقى العَطشانْ مَنِّكْ هَيَنِه

كلِّكْ على بَعْضِكْ يا أمَـــلْ بِتْجَنِّني!

 

ل– لَيْكي الأحبَّه اليوم كيف تجمَّعو

بقصر الأونيسكو يقشعوكي ويسمعو

متل الملوَّحْ يعشقو ويتلوَّعو

وْعَ فراق ليلى لو بكِي يبكو مَعو

 

ن– نورِكْ يا حلوِه هلّ عَ السَهرَه وظهَرْ

والله قمرْ، رشّي مطرْ،

حتى بصحارى عْمارْنا يطلعْ شَجَرْ

حتى حنين قلوبنا ينسى الضَجَرْ

وناخدْ من الأفكارْ زوّادة سفرْ…

ا – إنتِ أمل أيّامنا وكل الحكي

بيِّكْ عَ شكلِكْ كانْ بالدنيا ذكي

جودي عَ منبرشِعِرْ دخلِكْ تكتكي

وخلّي العنادِلْ من هديِلِكْ تشتِكي

يا حاملِه بالشِّعِرْ تاجْ المملكِه…

 

ص– صِفّي حروفكْ عَ الورَقْ غطي المدَى

حتى الصَّدى يوَصَلْ على خْوابي النَّدى

خلّي الفِكِرْ يعزُم رْفاقِك عَ الغدا

سُفرِة حِبِرْ، سُفْرِة شِعِرْ….

كلُّن إجو….بيروت ما فيها حَدا…!

 

ر– ردّي علينا بِشِعْرِكْ الصَّافي دَوَا

شوْب الدِّني ، من جنينتِكْ نسمِة هَوَا

عطشانْ قلب الشِّعِرْ بِدْيارِكْ هَوَى

يشرَبْ عُطُرْ إيدينْ”ناصرْها” روَى:

إنّو الشِّعِرْ من حِبِرْ إيديكي ارتوى!!!

*مهداة من الشاعر علي بكري، ممثل وزير الثقافةريمون عريجي، إلى الشاعرة أمل وجيه ناصر في حفل توقيع ديوانها “صرخة امرأة”صورة

مارونُ الحاجْ… شاعر “وراق الزمان”

برعاية وزير الثقافة روني عريجي، ممثلا بالمدير العام للوزارة فيصل طالب، وبالتعاون مع بلدية زغرتا – إهدن، وقّع الشاعر مارون حنا الحاج ديوانه الرابع “وراق الزمان” في مسرح بلدية زغرتا- قاعة بيار فرشخ، بحضور عدد من شخصيات المنطقة وفعالياتها… وهنا كلمة الشاعرة

نَدى نعمه بجاني في المناسبة:
كَمْ أَنْتَ شاعِرٌ مارونُ الحاجْ!!/ تَسْتَمْطِرُ الإبْداعَ صُوَرًا مُتَقاطِرَةً، كَأدْمُعِ العِنَبِ/تُصَلّي في مَعابِدِ النَّجوى لَتَعْتَمِدَ أَحْبارُكَ بماءِ الذَّهَبِ/وَتُدَوِّنَ شَعائِرَ، حافِلَةً بحُبِّ الخَلْقِ/وَخَمائِلِ الفِكرِ المُحَلِّقِ في المَدَياتْ../ فَمِثْلُكَ حُضورُهُ في الشِّعرِ يُغري/وَمِثْلُكَ يَمْلأُ أَصابِعَهُ مِنْ مَعاصِرِ الحِبْرِ/لِيَبوحَ باعْتِرافاتٍ رَخيمَةِ النَّبراتْ/وَتُسافِرَ في عَيْنَيْهِ مَلايينُ الكَلِماتْ.

وَما بَينَ مِئْذَنَةٍ، وَكَنيسَةٍ/قَلبٌ يُقيمُ صَلاتَهُ بمآثِرِ النَّبَضِ/إذْ أَنْجَبَ ألْوانَ العَقيقِ مِنْ صَدْرِ الشَّمسِ/في سيرَةِ هَوًى مُضَرَّجٍ بخُطوطِ الذّاتْ،/أوْرَقَتْ، وَصْلَ القُلوبِ/تَسْتَلُّ حُروفَها مِنْ وَجَعٍ، مِنْ فَرَحٍ/مِنْ كَيْنونَةِ الآخَرْ/مِنْ حَنايا المَسيحِ/لِلحُسَيْنِ مُرْسَلَةٌ/ شَهادَةَ حُبٍّ وَاعْتِزازٍ/في تَراتيلَ وَابْتِهالاتْ.

شَيْخُ التَّأمُّلِ أنتَ، مُسْهِبٌ في البَوحِ/وَالقَلَمُ رَصينٌ يَقْتَنِصُ رِفْعَةَ الألْفاظِ/يَدُقُّ ناقوسَ الهُدى، لِمَفاتِنِ المُسامَراتْ/لَكَأنَّ الأرْضَ زَيْتِيَّةٌ، جادَتْ في البَوْحِ/ فَأفْصَحَتْ عَنْ صَفوٍ قِياسًا بالإِتْراعْ../ إذْ نُقِشَتْ بِإزْميلِ الرّوحِ، وَعِطْرِ التُّرابِ/وَبَخورِ قَلْبٍ يانِعٍ يَتَنَهَّدُ أَلِقًا../ إمْتَزَجَ ماؤُهُفي مَحابرَ،/

لا تَصْطَفي، إلاّ، أَنْجُمَ الصَّحْوِ ، وَعَراقَةَ البَصَماتْ.

ألا سِرْ مارونُ في ثَنايا الشِّعرِ/وَاشْرَبْ بَتولَ الرّاحِ بالأقْداحِ/مَوْسِقِ الحُروفَ، بَلْسِمِ النُّفوسَ/أَطْرِبْ سِمارَ النُّجومِ بكَأْسِ المَعاني/وَابْصِمْ، لِتَجودَ أَشْرِعَةُ المَدَدِ/وَتَنْطُقَ الحَناجرُ باسْمِكَ شاعِرًا/فَفي كُلِّ بَصْمَةٍ ” مَسْحاتْ عِطْر/وشَلْحَات نور، ومْشالِحْ حَرير”/لِلخافِقاتِ الحالِماتِ تُهْدى/فَتَحْيا في أَنْفاسِ الإدْراكِ،/حَقيقَةً إنْسانِيَّةً تَسْقي بجَوهَرِها المَدارات.

أيُّها الشّاعِرُ الجَنوبِيُّ، تَمَظْهَرَتَ في كِتابِكَ بِوَقْفَةِ عِزٍّ شِئْتَها غَنِيَّةً بعَطاءاتِ القَلْبِ الخافِقِ وَالفِكْرِ المَطْبوعِ عَلى رَصْفِ الحُروفِ وَتَدْويرِها طِبْقَ مَقاييسَ عالِيَة، وَمَنْحِها كَثافَةً وَغِوايَةً تَنِمُّ عَنْ قُدْرَةِ وَثَباتٍ في تَرسيم رِقَّةِ المَشاعِرْ، فَفي النّصوصِ الكَثيفَةِ وِجْدانُكَ؛ نَسْمَعُهُ مُخاطِبًا؛ بأسْمى العِباراتِ الّتي تَعْكِسُ مَهارَةَ ناظِمِها وَتَفَنُّنَهُ في اسْتِثْمارِ اللُّغَةِ بِشَكْلٍ بَديع، يَصُبُّ جَمالِيّاتٍ “مِنْ واقِعِ الحَياة”، مُرورًا بِ. وراق الزّمان، أرز لبنان، مَسرَح جنوبي، مَعدَن انتظاري، شَتويّة تَعَب، قَميص الوَقْت، رِحلِة حِلم، وَسِواها مِنَ المَوضوعاتِ المُخْتَمِرَة في أجاجينِ الزّمَنِ، حَتّى تَنْقُلُنا خاتِمًا بِ. إطْلالَةِ الرّسولِ العَريقَة؛ حَيْثُ؛ عَلى مَسْرَحِهِ يَضيقُ المَجْدُ وَيُسَيْطِرُ مَبْدَأُ الدّينِ القَويمِ، وَحَيْثُ أوقَدْتَ الكلامَ فَصلّى حبرُ الصّدقِ وَقامَ، هَمَساتٌ إرْتِقاءٌ في عالَمِ الامْتاعِ تَناهَتْ إلى القلوبِ وَإلى الأسْماعْ.

إنَّكَ شاعِرَنا، قَدْ أَنْصَفْتَ تَقسيمَ مَحاوِرَ هذا العَطاءِ الغازِرْ، النّابِعِ مِنْ كِيانٍ مَشْدودٍ إلى عالَمِ السَّحْرِ وَالبَهاءْ، حَتّى لَنَخالَكَ قَدْ رَشَفْتَ إكسيرَ الشِّعْرِ مِنْ كُؤوسٍ مُتْرَعَةٍ برَحيقِ الفُؤادِ الصّاخِبِ ، وَإذا بِنا نَرى فُؤادَكَ مُتَراقِصًا عَلى إيقاعاتٍ سَرْمَدِيَّةْ، لا يُتْقِنُها إلاّ الصّوفيّونَ لَدى انْفِصالِهِمْ عَنِ الوجودْ وَغِيابِهم في عَوالِمَ غَريبَة، وَلَدى اتِّحادِ الرّوحِ بذاتها.. فَهذا التَّداخُل، مُشارٌ إلَيْهِ في ” يا نَفسي ” ص 82، لَو دَخَلْناهُ لاسْتَبَدَّ بنا العَجَبْ، وَالْتَزَمْنا بتِلْكَ النَّفسِ المُشاغِبَة، المُبَلْسِمَةِ نَفْسَها، تَنْدَهُنا إلى التَّعَمُّقِ وَالتَّأَمُّلِ في تِلْكَ الغَياهِبِ الهائِمَةْ في عالَمِ الوَجْدْ، وَنَجِدُنا، مَهْما حاوَلْنا التَّمَلُّصَ مِنْ بَعْضِ ما قَرَأْنا، لا يَسَعُنا أنْ نَنْفُذَ مِنْ تَرْجَمَةِ تِلْكَ الأضواءِ الباهِرَةْ؛ المُسْتَفيئَةِ بَيْنَ الحُروفِ والسُّطورْ، بَدَتْ عُصارَةَ ذاكِرَةٍ وَسيرَةً ذاتِيَّةً وَصُورًا مِنْ ألْبومِ الحَياة.

فإذا كانَ علَيَّ أنْ أسْتَمِرَّ، سيَضيقُ بنا الوقتُ، وَلَن يبقى شيئًا أقولُه في ما بعْدُ، وَإِنْ كانَ الشِّعرُ قَدِ اخْتارَكَ..فَلأَجلِكَ سَتُغَرِّدُ الأطيارْ.

صورةصورة

الإنسان المعاصر من التشيّؤ إلى العدم الكليّ

Dr Ran El Hacgem

د. راني هاشم-ألمانيا

اذا ما قمنا بإعادة رسم  الطريق الذي سلكه الانسان منذ قرن ونيف٬ نستشف الازمات التي تهمّش الشخصية البشرية و تنزلها عن العرش الذي دأب المفكّرون الشخصانيون رسم  معالمها في منتصف القرن المنصرم.

لقد زعم المفكّر الفرنسي ميشال فوكو أنّ “الانسان اختراع حديث العهد٬ صورة لا يتجاوز عمرها مئتي عام، إنّه انعطاف في معرفتنا٬وسيختفي عندم تتخذ المعرفة شكلاً جديداً” فهل دخل الإنسان المتشيّء  نفق العدميّة المطلقة ؟

على الصعيد الاقتصادي: كان لتحطيم الأنظمة الاشتراكيّة الاثر الاكبر في القضاء على الايديولوجيات وبخاصّة الماركسية. كان للراسمالية الأثر  الاكبر في إرساء نظام اقصادي ليبرالي́  أكتر شرًّا من سلفه الإشتراكي: لقد اعتبر المفكّر لوسيان غولدمان انّ “النظام الماركسي في أزمة لأنه عجز عن تجديد نفسه”  والمقولة عينها تنطبق على النظام اللبيرالي الحر.

الأخطر من ذلك انّ الرأسمالية الجديدة عرفت –عبر استرايجيّة- تسويقيّة  كيف تجعل من المستهلك رقمًا بل شيء يتلقف الإنتاج فقط لا غير، جاعلةً منه شيئًا أو كميّة ميتة، وامست الأقلية تنتج للاكثرية لأنّ هذه الأقليّة تمتلك رأس المال  بكليّته.

على الصعيد الديني: بات الانسان المعاصر ينوء تحت حمل عمره ألفي عام او اكثر، أساسه ترسّبات دينية  وباتت العلاقة مع خالقه المفترض شبه متزعزعة  وكأنّه ينتظر غودو كما في مسرحية” انتظار غودو”  لصموئيل بكيت

لقد أعلن نيتشه موت الله ودخول الإنسان في العدم خلال مئتي سنة ونحن على قاب قوسين من ذلك لأن هذا الأخير ملّ عرس الدَم والنزاعات الدينية. فالإلحاد الآخذ في التجذّر  في صميم اللاوعي البشري وكأنه توقُ الى الحرية المطلقة الى التحرر من لعبة شطرنج دينيّة، لاعبوها غربيّون وأمراء مال، وضحاياها ناس بسطاء مؤمنون بعدالة خارج ميتا فزيقية.

على الصعيد الاجتماعي بحسب “مارغريت ميد” عالمة الاجتماع الأمريكيّة:” أنّ صفة الانسان الكائن الاجتماعي باتت على المحكّ”. لقد أجهزت التقنيات الرقميّة على ما تبقّى من  هذه الصفة يضاف الى ذلك  تفكّك العائلة بسب انعدام التواصل بين افرادها.   والإشكالية المطروحة: هل سنشهد نسالة لبيرالية قائمة على انتقاء جيني شعاره البقاء للأذكى كما زعم “يورغن هبرماس”.

على الصعيد الإعلامي صوت التلفاز، كصوت الناعي، كخادم حصادة الأرواح وبائع الموت. يسوَق الضحايا بلا شفقة، يبتسم كغضنفر عربي حزين، مكبوت. قاتل الثقافة الأرعن هذا الغازي العثماني الجديد يفتح العقول، لكأنّ السلطان العثماني سليمان فضّ بكارة العقول البور يدخل الى “فيينا” يعيث فيها جمودًا فكريًّا و يتلفها ببطء.
الصورة قاتمة في طرفها الأول، رأسمالي يهلّل ويجني كل ما دسّ سمّ السخافة  في نفوس متتبّعي محطته، وفي طرفها الآخر تحلية طبق غرائز لا إنسانيّة،  كأنّ الإنسان بات شيئًا جامدًا يتلقّى كلّ شىْء حتى العروض الإباحيّة .  وأمست الصور في صلب تكوينه السيكولوجي ترمي به خارج الإطار المكاني الزماني لأنّ مرسلها يريد إظهار وجه واحد من أوجه الحقيقة والهدف واحد هو إعدام ما تبقّى من الروح الإنسانية.

ربع قرن… طرفة عين!

حبيب أفرام

 

هكذا العمر.

تغمض عينيكَ وتحاول أن تختزله. يقفز إلى النور وجهٌ أو ظلُّه، مقهى سهرة أو الآه فيها، وقفة عزّ، بقايا علاقات ذكريات، أو ربّما… يبهركَ الفراغ.

هكذا العمر.

أو إنّه ربّما ليس هكذا. ربما أنّه ليس. ربّما أنّ العمر فراغ.

ثمّ، تتطلّع حولكَ، فلا تصدّق.

ها أنتَ في لحظة تلملم عمركَ.

ربع قرن. برهة في الزمن. طرفة عين.

يا الله، هذه الوجوه، هي هي، العيون، حتى بريق العيون، الأسماء حتى التي نسيتَ، الطلّة، الضحكة، ربّما مع قليل من ريشة الزمان.

لكن، لسنا كلّنا هنا. الذين راحوا وسقطوا في عتمة الموت باكراً. والذين هاجروا وسماء الوطن لا تكلّل رؤوسهم.

ثمّ نحن، الباقون لأنّ تراب لبنان وجعنا. أو مكرهٌ أخاك، لا بطل.

كنا نحلم ونخاف أن تهربَ منا قطعة حلم واحدة.

كنا نؤمن ونصدّق أنّ حبّة إيماننا تنقل وطناً إلى المجد.

كنا نحبّ ونكاد من ولهنا نغمر كلّ الدنيا ونقبّلها.

وها نحن نستعطي كسرة حلم.

كنّا. ما أسوأ أن تكون أحلى أيامك أمس.

كنّا نحن الشهود. كنّا نحن الضحية.

زحل الوطن من بين أيدينا.

من قمّة عزّه وصخبه وضجيجه وحرياته وانفتاحه وحضوره وتنوّعه وفرادته إلى انفجاره، إلى حروبه، إلى حروب الكلّ ضدّ الكلّ، إلى جنونه، إلى جنوننا.

كنّا نضجّ هموما.ً

عن الهوية والانتماء والنفوذ والطوائف واليسار والتقدمية والثورة وأبو عمّارها وسلام المنطقة والتقدّم والديموقراطية أسئلة شلّعت الوطن الصغير.

كنّا نضجّ فرحاً.

في الحركة الطلابية والمظاهرات والرفض، رفض كلّ شيء، وشعارات الحب لا الحرب ثمّ في “الكزدرة” في شارع الحمراء والكنفشة في بلس والتنظير في الهايد بارك، والاستعراض في البيتش، والاسترخاء في الميلك بار، وفوق كلّ هذا في الفرح الطالع من “أشياء أُخَرْ”.

على أنّنا بقينا.

غمسنا ريشتنا في حبر الحياة.

وكأنّنا اليوم ليس بين أصدقاء بل أمام محكمة الضمير وغبار التاريخ.

“باطل الأباطيل كلّ شيء باطل”. المال الجاه المراكز. وحده وجه ربّكَ وسع الكون.

وها هي، الجامعة،

“جمالها وافرٌ وفمي قليل”.

هي روح. وسام على صدر الشرق.

علّمتنا أن تكون لنا حياة، وأفضل،

إنّ الإنسان هو القيمة وتوقه إلى أن يقارب الله هو المبتغى.

وإنّ الحريات هي جوهره.

نحن نمرّ، هي تبقى.

صامدة في رسالتها على مرّ الأجيال.

فيها رفاق 78،

هل بينكم من أعطيه ما بقي من عمري

ليعيدني ذات مساء إلى ذات المقعد الخشبي في “الكامبس” لأغمر اليد ذاتها وأضمّها كالبركة كالرجاء.

هي غصّة. فقط. هي ومضة نار تحرق.

لكنّنا، بحكمتنا،

نعرف أنّ أحلى التاريخ هو غداً.

ومن يدري ربّما بعد ربع قرن من الآن سيكون بعضنا هنا هنا، فيقف أحدنا على هذا المنبر ويقول أنّ النصف قرن لحظة في عين الزمن. طرفة عين.

———————–

*كلمة حبيب افرام في حفل تكريم متخرجي الجامعة الأميركية لسنوات 1953 و1978

– قاعة الأسمبلي هول- حزيران 2014

 

 

 

صورة

المطالعة ثقافة لا تموت وكنز لا يفنى

لأن في المطالعة ثقافة لا تموت ولأن الثقافة كنز لا يفنى في عالم سيطرت عليه التكنولوجيا ووسائل التواصل الذكية والسريعة، ولأن لبنان بلد اشتهر بثقافته وعراقته، سعت اللجنة الوطنية اللبنانية في الاونيسكو إلى المحافظة على الإرث العريق في ظلّ التطورات المتسارعة عبر المسابقة الوطنية للمطالعة والتي احتلّت فيها الزميلة رندلى جبور بالاضافة الى الشابة إيزابيل فاخوري المرتبة الأولى، في حين فاز الشاب شادي الياس في المرتبة الثانية اما المرتبة الثالثة ففازت بها السيدة نجوى اليحيى.

وقد اقيم حفل توزيع الجوائز على الفائزين في قصر الاونيسكو برعاية وحضور وزير الثقافة روني عريجي الذي أمل في اعادة بناء عصر الثقافة، معتبراً أن التكامل بين الكتابين الورقي والالكتروني ضرورة لمواجهة خطر قضاء الواحد على الآخر.

تجربة خاصة لكلّ من المشتركين والفائزين مع المطالعة عموما والكتاب والكلمة خصوصا حاولوا في شكل مقتضب نقلها إلى الحضور في مسعى تشجيعي لدعم القراءة والإكثار منها لانها فنّ جميل كما وصفته رندلى جبور في كلمتها. جبور التي تطرّقت إلى أجمل ما قراته من كتب وروايات توجهت إلى كلّ من لا يقرأ بالقول : “هيا احملوا كتابا واقلوبا الصفحات فوحدها المطالعة تحرّركم”.

وجدانيات المشاركين والمسؤولين عن المسابقة تمحورت بمعظمها على محبة القراءة واهميتها خصوصا في ايام فقدت الكلمة قيمتها.

هنا كلمة الزميلة رندلى جبّور في المناسبة:

 

البوسنة تتعالج ونحن ما زلنا غارقين في الحرب

 

على الأرجح أننا كلنا اليوم في لبنان صنيعة الحرب وكذلك ستكون الأجيال المقبلة حتى من لم يعشها. نحن ما فعلته الحرب بنا. نحن ما فعله “الآخرون” بنا. نحن ما فعلناه بأنفسنا لأننا انخرطنا في جوقة المهللين للحرب بطريقة ما. نحن ورثنا نتائج الحرب بدءاً من فقدان الأعصاب وصولاً إلى فقدان قريب. نحن نعيش “فضلات” الحرب، والفضلات كثيرة. ملفات نعيش تحتها، نحملها فوق رؤوسنا وفي ضمائرنا وقلوبنا: من ملف التهجير والهجرة إلى المفقودين والمعتقلين، إلى معوقي الحرب جسدياً ومعطوبي الحرب نفسياً، عدا عن الذين لاقوا حتفهم، وعدا عن الآثار الاقتصادية والاجتماعية وحتى الطائفية والمذهبية ولعلها الأدهى. فكيف لنا أن نشفى من الحرب من دون مراجعتها والوقوف أمامها بجرأة وشجاعة؟ كيف لنا أن نشفى من الحرب إذا كان المسؤولون عنها ما زالوا يحمّلون “الآخر” مسؤوليتها ولا يعترفون بدورهم الحقيقي فيها؟ كيف لنا أن نشفى من الحرب وما زالت خطوط التماس منصوبة في نفوسنا؟ كيف لنا أن نشفى من الحرب ومن وقفوا أمام أنفسهم في كتب عن الحرب يعدّون على أصابع اليد الواحدة؟ كيف لنا أن نشفى من الحرب ومن تعاقبوا على الحكم منذ انتهائها وحتى اليوم لم ينقلوا اللبنانيين إلى مرحلة تساعد على النسيان بل إننا من انهيار ثقافي إلى آخر ومن انهيار أخلاقي واجتماعي واقتصادي إلى آخر، بل الأنكى من ذلك أن أحد الذين أبدعوا في ممارسة الحرب بأفظع صورها يترشح اليوم إلى رئاسة الجمهورية فهل من مجال بعد لنشفى؟ والأنكى من ذلك أيضاً أن “رب” التهجير الآخر غير المرشح الرئاسي المحترم يشكل بيضة القبان في الحياة السياسية اللبنانية ولا مجال لفعل أي شيء في جمهوريتنا العزيزة إلا وله يد فيه. الأسماء عندنا في السلم كما في الحرب أزلية أبدية وكأنها الثابتة في تاريخنا وجغرافيتنا وتربيتنا وكل الآداب والعلوم الأخرى.

لقد زرت البوسنة في ذكرى انتهاء الحرب عندهم. إنهم يتعاطون معها بطريقة مختلفة جداً، يمارسون فن الشفاء منها من خلال الاعتراف بالأخطاء ومن خلال الموسيقى والاحتفالات والصلوات الجماعية الصادقة. هنا في فندق ما من العاصمة البوسنية ساراييفو إعلاميون يخبرون عن تجربتهم في مواكبة الحرب، يقولون بصراحة كيف أجبروا على التعامل بطريقة معينة، كيف أجبروا على قول ما تريده تلك الجهة أو تلك الأخرى، كيف تم غسل أدمغتهم، كيف أعماهم أمراء الحرب وشاركوا هم أيضاً فيها بأكثر الوسائل تأثيراً ألا وهي القلم والصوت والصورة. إنهم اليوم يقولون بجرأة: هكذا كنا في الحرب ونادمون!  وفي الساحة الرئيسية مسلمون ومسيحيون يضيئون الشموع، ليس هناك أكثر من ذكرى للحرب الواحدة، إنها ذكرى جماعية واحدة يتذكرونها معاً في ساحة واحدة ولا يقوم كل حزب ومجموعة بنشاط على حدا في ذكرى الحرب. وفي شارع عريض وضعت كراسي بلاستيكية صغيرة وعلى كل منها دمية أو غرض للدلالة على الأطفال الذين قضوا في الحرب.. وفي قاعة واسعة صور عن الحرب من مختلف جوانبها، صور تدمي، ترعب، وهناك ممثل مسرحي أصيب بالحرب وأقعد فحوّل كل نشاطه إلى مسرح يساعد على نشر فكرة السلام ونبذ العنف وكسر الحواجز مع الآخر. البوسنيون يمارسون علاجاً للخروج من الحرب، طبعاً لم يخرجوا منها بعد ولكنهم يحاولون أما نحن اللبنانيون فلم نفكر بالعلاج بعد. نحن أنفسنا الذين بعنا السلاح للبوسنة، وتحديداً المرشح إلى الرئاسة: هكذا قالوا لنا هناك، بأسى!! لقد دفعنا ثمن حربنا وقبض بعضنا ثمن حروب الآخرين وفي الحالتين هناك حرب ولا من سلام!! أهلاً بكم في عالم 13 نيسان!!

رندلى جبورصورةصورة

رحلةٌ مع جورج مغامس إلى ذُرى الثقافة الإنسانيّة في كتابَيه: “أيّامٌ في بلادِ الماتروشكا”… و”فَلسُ العودةِ إلى منازلِ الغبطةِ”

د. مهى خوري نصّار

الرحلةُ مع جورج مغامس في كتابَيه: “أيّامٌ في بلادِ الماتروشكا” و”فَلسُ العودةِ إلى منازلِ الغبطةِ”، لمعةُ إدراكٍ، عبرَ مسالكِ الحضارات، وفُسحةُ إشراقٍ، عبرَ منابتِ الثقافات. رحلةُ عبورٍ هيَ، إلى الاحتلامِ والرؤى، تتشهّى معها المكانَ في ندى البصَمات، وتتعشّقُ معها الزمانَ في صدى اللحَظات.

عالميُّ المدى هو، إلى دُنى الجمالِ تسلّلَ، ومن ذُرى الثقافةِ الإنسانيّة نهِلَ، وعبر أحاسيسِه وتهويماتِه سرَحَ، يحرّضُنا، ويغرينا لتأملٍ كشّاف، في محوريِّ قضايا، مشدّدًا، على ملحِّ حاجتِنا، إلى الأمنِ والأمان، وإلى شعلةِ الإيمان.

نبضُ الحياةِ في سردِهِ، وشَمَمُ الأَنَفَةِ في وصفهِ، من مشاهدتِه الحيّةِ يستقيه، ومن مخزونِه المعرفيِّ يجتليه، متوخِّيًا الإشباعَ المعرِفيّ، متخطّيًا الجزئياتِ والتفاصيل، نافذًا إلى الروحِ بالخيال، معايشًا كلَّ لحظةٍ من لحظاتِ التأمّلِ في لوحاتٍ أيقوناتٍ منقطعةٍ متّصلةٍ بذاتِها، يجمعُها خيطٌ رفيع، يقودُه حدْسٌ بارعٌ خلّاق، افتُتنَ بمواقعَ مآثرَ فجذبَنا إليها، وسُحِرَ بمعالمَ لآلئَ فسحَرَنا بها.

يجوزُ مغامسُ في رحلتَيْه الميلَ الأدبيَّ القَصصيَّ الإخباريّ، الجغرافيَّ التاريخيّ، الأفقيَّ المسطَّح، ويتعدّى العرضَ الموقعيَّ التوثيقيّ، والمواكبةَ الكمّيةَ التسلسليّة، إلى تحديداتٍ ومعطياتٍ وتأويلاتٍ وتحليلات، تُحيلُ الرحلةَ إلى سجلّاتٍ تشهدُ على جزءِ من تاريخ، أو قلْ من لحظةٍ تاريخيّةٍ محوريّةٍ في خدمةِ الثقافةِ الاجتماعيّةِ والدينيّةِ والسياسيّةِ والفنيّةِ والأدبيّة، يرصدُ من خلالها مدى تفاعلِ الإنسانِ معَ مجالِه الزمَكانيّ، فيُظهرُ كمًّا منَ المعلوماتِ الثقافيّةِ ضمنَ وقفاتٍ شهادات لأحداثٍ دراميّةٍ اجتماعيّة، ولمعطياتٍ دينيّةٍ عمرانيّة، يستمدُّ مراحلَها منْ تنوّعِ ثقافتِه العريضةِ، المشعّةِ صفاءً وطيبةً وإبداعًا؛ فيجرّدُك إذّاك من وجودِك الكثيف، ليجعلَك تدركُ المراحلَ بشفافيةِ روحِك، التي تهيمُ بكَ، فتُسقط ُذاتَكَ في تأمّلِ أمكنةٍ وتواريخَ، تكتشفُ من خلالِها ما تجهلُه من أسرارِ الوجود.

     رؤًى جريئة

دأبُ الأديبِ في أدبهِ الرحليّ الانتقالُ من إحداثيات المكان والزمان، والانفتاحُ على تيماتٍ متعدّدةٍ تطرحُ رؤًى جريئةً منها: التخلّصُ من داءِ الطائفيّةِ المستعرِ بين العُمي والمتعامين، ومن لعنةِ الصِّراعِ الملتهبِ بين الجهَلة والمتجاهلين، ومنَ الغربةِ التي تعصُفُ بالغصونِ وتقتلعُ الجذور… ومن آفةِ المخدِّراتِ وبلاها، مقابلَ طريقِ الخير المريحةِ وإن بدتْ صعبةً، ففيها تطهيرُ النفسِ ورفعةُ الروحِ إلى مائدةِ أنوارِ الله وأفراحِه، ومعها السلامُ الداخليّ، والولادةُ الجديدة .

وديدنُه الصَّبرُ فيقول: من يصبِرْ يخلُصْ وما يعلّمُ لا يخسّر. متسائلًا في إطارِ السلطةِ والتسلّط: تُرى، ما من حُكمٍ يصحُّ برأسين؟ متذمّرًا من جحيمِ البابليّةِ النكراء التي شوّهت جنّةَ بلاده في هذا الزمن الملعون، ومنَ الكبار الذين يصُبّونَ الزيتَ على النار، مبدؤُهُم في ذلك: فرّقْ تَسُدْ ومَنْ سادَ أفاد. وفي غمرةِ التدنّي المقلقِ في مستوياتِ القيمِ والأخلاقِ الدينيّةِ والمدنيّة، وفي ظلِّ طُغيانِ المنافقينَ السافرينَ المقنّعين، وراكبي مراكبِ الأديانِ إلى العروش والقروشِ وشَبَقِ المُتَع بفتنٍ ومحنٍ وحيَل، وطبّالي إحقاقِ الحقوق وزمّاري حسنِ السلوك، في ظلِّ كلِّ هذا، يتساءل جورج مغامس بلسانِه الأنطونيوسيّ: “هل للقديسينَ من فعلٍ وأثر؟”. ولا ينسى الأديبُ قضيّةَ المادّةِ فيقول: المالُ لا يعوّضُ مفقودًا لكنّه قادرٌ على تخفيفِ وطأةِ الحزنِ والألم، فيدعو إذّاك إلى العطاء، وإلى التماهي بالآخر، بعيدًا من أسئلةِ الانتماءِ التمييزيّة في دينٍ ودنيا، مشيرًا إلى أنَّ العطاءَ المشحونَ بحسٍّ إنسانيّ، هو عطاءٌ مبارَكٌ، يُفرحُ ويقرّبُ من اللهِ، مصدرِ كلِّ عطاء.

ومن مرداد نعيمه حفِظَ الأديبُ أمثولةً تُغني عن كلِّ أمثولة: المحبّةُ ناموسُ الله. فأنتم ما حييتُمْ إلّا لتعرفوا المحبّة. وأنتم ما أحببتُم إلّا لتعرفوا الحياة. وبعد تبصُّرٍ بقمّةِ قممِ العبقريّاتِ المسيحيّة، بولس الرسول، يستضيء جورج مغامس فيجيب عمّا يُثارُ حولَ حيثيّةِ السعادةِ البشريّة، معلنًا أنَّ الإنسانَ مولودٌ مرصودٌ منذورٌ للفرح، وأنَّ غذاءَ الروحِ هو ما يهَبُها الفرح، وأنَّهُ بالفرحِ تنتصرُ الحياة. فالسعادةُ غايةُ الحياة، وأقصرُ طريقٍ إليها  طريقُ المحبّةِ الطويل!! وبذلكَ، فإنَّ أحوجَ ما نحتاجُ إليهِ اليوم، قليلٌ منَ التفاهم، وقليلٌ منَ التقارب، وقليلٌ منَ التعاون، وقليلٌ منَ التسامح، وكثيرٌ منَ المحبّة. ومعه يتراءى لنا رجعُ صدى كلمات القديس اوغسطينس الثابتِ في المحبّة، عُصارةِ المحبة، حَسبُك أن تسمعَه يقول: آهٍ! ماذا أحبّ، إذ أحبُّك؟ لا رونقَ الجسدِ ولا حلاوةَ الزمنِ ولا إشراقةَ النور البهيجة، ولا عذوبةَ الألحان ونغماتِها المتنوّعةَ، ولا عبيرَ الزهورِ ولا ضوعَ الطيوبِ ولا العسل، ولا تلك الأعضاءَ التي خُلقتْ للدغدغةِ والعناق…” (الاعترافات،10). وهنا، يشهدُ الناسكُ اللاهوتيّ، على الملأ، أنَّ محبّةَ العزَّةِ الإلهيّةِ لديه، تفوقُ كلَّ محبّةٍ دُنيويّة…

الغبطة الأبديّة

تقولُ كتب الحكمة الشرقيّة: “إنِ استطعتَ أن تسموَ على الجسد وأن تدركَ أنّك روح، لامتلكتَ الغبطةَ الأبديّةَ ولتحرَّرتَ منْ كلِّ القيود”، فكلُّ قيودِنا وتقييداتِنا، وكلُّ قصورِنا وتقصيرِنا، يعودُ إلى ارتباطِ ذواتِنا الروحيّةِ بالجسدِ والعقل. وبفِعلِ هذا الارتباط، نحنُ نشعرُ بالألمِ والإثارةِ واللذّة، لدرجةٍ لا يسعُنا معها الإحساسُ بالغبطةِ النقيّةِ أو الوعيِ الإلهيّ، الذي لا يمكنُ فهمُه وإدراكُ كنْهِه في ظلِّ نفسٍ مضطربة تتماهى وحالاتِ تقلّبِ الجسد، وتبدّلِ العقل، التي تشوّه طبيعةَ النفسِ الباطنيّة. انطلاقا من هذا، كانت رحلةُ جورج مغامس في كتابه “فَلسُ العودةِ إلى منازلِ الغبطة”، نتعرّف من خلالِه على المؤمن الأوتيَ نعمةَ إنفاقِ فَلسه في الحقّ، هذا الفَلسُ الذي قدّمتْهُ الأرملة، ففتحتِ البابَ أمامَ جميعِ المؤمنينَ ليدركوا مفهومَ العطاءِ الحقيقيّ، من فيضِ القلبِ الداخليّ. وبهذه النعمة، يتحقّقُ الاغتباطُ الذي يصلُ به إلى الطمأنينةِ ضمنَ رحلةِ حجٍّ، يشيع فيها فرحُ الوصول، مجسَّدًا بالاتّصال المباشر للضمير المسند إلى السارد “واستكنتُ إلى ذاتي، إلى ذاتي المفعمة بمُقام ريتا، وانداح بيَ قوليَ القديم…”. أحالَت هذه المَسافةُ الوِجدانيّة والرؤيةُ الداخليّة الأمكنةَ إلى فضاءاتٍ سمحت له بالاستماع إلى نشيدِ السماء، وبالامتلاء بالغبطةِ الإلهيّة، مغمورًا بالفرحِ والنعمةِ والسلام، ساعيًا في سبيلِ حقٍّ وخيرٍ وجمال، حتّى فاضَ فكرُه نهرًا متغذِّيًا منْ منافذِ فسيحِ تأمُّلٍ روحيّ، ومنْ روافدِ عميقِ إيمانٍ مسيحيّ.

وله، في رحلتيه، فعلُ المبادرةِ في بَدءِ الكلامِ وفي تركِهِ لسواه، وفي تدخّلِه عندَ الحاجة، فهو مَن يبدأُ الكلامَ وهو منْ يُنهيه، وهوعلّةُ قيامِ عالمٍ يستحقُّ تسليطَ العينِ الرائيةِ بفعاليتِها عليه، يرافقُها حضورٌ ملموسٌ لأديبٍ يشِفُّ عن ذاتِه، من خلالِ وصفٍ مقرونٍ بمنظورٍ فكريّ، وبحسٍّ تحليليّ، قادرَيْنِ على كشفِ حركةِ البنى العامّة، وعلى تحويلِ الخارجِ إلى داخل، والستاتيّةِ إلى ديناميّة، واللغةِ الإخباريّةِ السطحيّةِ إلى لغةٍ إيحائيّةٍ عميقة، والفضاءِ الهندسيِّ المنظّمِ إلى فضاءٍ لاهندسيٍّ مبعثر، والرؤيةِ الميكروسكوبيّةِ الضيّقة إلى رؤيةٍ ماكروسكوبيّةٍ شاملة، ضمنَ لقطاتٍ متلاحقةٍ ومتقاطعة، تلمُّ شعثَ الجزئيّاتِ الحدثيّةِ المنتشرةِ داخلَ مِساحةٍ مشهديّةٍ معيّنة.

فالرحلة ُكانت تنقّلا فكريّا من ثقافةٍ إلى أخرى، تجسّمُ معالمُها عددًا من المفاهيم، تحرّكُها مُتعةُ الحواسِ والمشاهدةِ العينيّةِ حينًا، وغبطةُ الانخطافِ والتأمّلِ في كونٍ تنافست في إبداعه يد الله ويد الفنان حينًا آخر، وفي هذا تتحقّقُ صورةُ التحوّلِ الجدليّ من جمودِ الموتِ وسكونِه (لوحات- تماثيل- عمارات- ثريّات- زخارف- تحف- منحوتات- رسوم…) إلى متعةِ الحياةِ وحركيّتِها ( إيمان- محبة- غبطة- عطاء- فرح…)، فيبدو سكونُ الأشياءِ والأمكنةِ امتدادًا لحياةِ الأفرادِ والأعلامِ والشخصيّات، وتجسيدًا واضحًا لمعرفة الذات التي تتأصّل عن طريق المعرفة بالآخَر، ولعلاقةِ الإنسانِ بالعالم،عبرَ أسلوبٍ متينٍ يتجاوزُ المأثورَ إلى المُبتدَع، يصلُ التشبيهُ فيه ِإلى حدِّ المحاكاة، في تعابيرَ مجازيّةٍ تنفثُ في الخطابِ الرحليّ نفَسًا شعريًّا موسومًا بسمةِ العصرِ في اختصارِ الوقتِ وسرعةِ الإبلاغ.

“أيّامٌ في بلاد الماتروشكا” و”فَلسُ العودةِ إلى منازلِ الغبطةِ”: جنيُ جَوبٍ بجُمانِ حضارةٍ، حصادُ جَولٍ بمَرجانِ ثقافةٍ، جعلتْ ماهيّةَ أفعولةِ السَفرِ وأشغولتَه الجوهريّةَ امتلاكَ المعرفةِ المنفصلةِ عن بناتِ الصدفةِ والمتّصلةِ بأخيّاتِها وليداتِ جوهرِ القصديّةِ، في فضاءاتٍ خرائطيّةٍ مؤطَّرةٍ بجمالياتِ الاتصالِ والانفصال، وبامتداداتِ التطلعِ والاطّلاع التي بها الأملُ بإعادةِ جمع غلالِ حضارةِ الأوطان. ونختم بقولٍ لـِ .ت س إليوت: “ارتحلوا.. انطلقوا أيّها الرحّالةُ فأنتم لستمُ الأشخاصَ نفسَهم عندَ بَدءِ الرِحلة…”.

 

 

 

 

 

صورةصورةصورةصورةصورة

تكريم الأديب والباحث والمؤرخ وجيه كوثراني في الجامعة الأنطونيّة

سحر نبيه حيدر

هو حدثٌ، يترصَّده كلّ من تاقت نفسه إلى لثم الثقافة كأساً تدير العقول وتذكرنا بأننا على الأرض حملة أقلام وأصحاب رسالة. هو المكان، الإرث الحضاري الذي يهدف منذ بزوغه إلى بناء العقل ولملمة الأحرف المبعثرة ونفخ روح المعرفة، علماً، أدباً، إجتماعاً، إرتقاءً، ثقافةً وموسيقى. إنه اللقاء العهد الذي عهدناه مع “إرادة” الجامعة الأنطونيّة في لمّ شمل الأحباء في كلّ عام، للإحتفاء بعلمٍ من بلادي، من الألى وَعَوا الوجه الحقيقي للحياة ونهجوا نحو الإرتقاء، فمهّدوا الطريق وسَقَوا العقول فبات إسمهم “إسم علم”[1].

“إسم علم” مبادرةٌ رسمت الرهبنة الأنطونيّة كبرى عناوينها وخطّت أدق تفاصيلها، من خلال جامعتها الأنطونيّة التي لا تتوانى عن مقارعة أهل الفكر لتستزيد منهم رفعةً ومكانة، مشيرةً بالبنان إلى بعضٍ من لفيف لا يستهان بعبقرية تفكيره، من رواد الإبداع وحراس هيكل الثقافة والحضارة العلميّة، في زمن تكافلت الشدائد على حرق الوطن بغوغائية الطائفية وسُحبت العقول إلى الدرك الأسفل حيث اللادولة واللاإستقرار، ما خلا مَن رسموا التاريخ بشفافيّة وأدركوا أنّ البقاء لله وحده وأن لا نصرة إلا للحقّ، وأنّ طائر الفينيق لا بد وأن ينهض في وطنِ إعتاد اجترار الألم. حيث كلمة ” الإستسلام” مغيّبة من قواميسه والرّضوخ أمسى سلّماً مَشَقه طلاب الغدّ وتخطاه بجرأةٍ دعاة العلم والإنسان.

البحث العلميّ الأكاديميّ

تدعونا الجامعة الأنطونيّة إلى وليمتها السنويّة إلى لقاء ضيف شرفٍ ، صاحب فكرٍ نيرٍ، لقّن التواضع درساً بالتواضع حين اتّخذ البحث العلميّ الأكاديميّ نبراساً يأبى التنازل عنه. ما غرّته المناصب وما قضّ مضجعه يوماً غير التنقيب عن الحقيقة وماهيّة تدريب من مشوا إلى جانبه على إعتناقها. فلمع اسمه باحثاً تاريخياً في أقطاب العالم العربي وعلى امتداد مساحته، وأضاءت كُتبه ” الدياجير” المبهمة، متّخذاً نهج البلاغة الصادق وروح المعرفة المتجرّدة ليقدّم لخلانه ورفاق عقله، ما تصبو إليه النفوس العطاش.

أنه الأديب والباحث والمؤرخ وجيه كوثراني، اللبنانيّ الأصل، الإنسانيّ الفروع، لأسرة إختارها القدر أن تكون من جنوب لبنان، من قرية طبعت في ذاكرته حبّ الوطن والتوق إلى الحرية، قرية  “أنصار”. حمل التاريخ في قلبه وطوّعه واختصر الطريق على من هفا إليه ليطّلع على ما غاب عنه، فأوفى التاريخ حقه بعد أن توّج دراسته بشهادتي دكتوراه، إحداهن في التاريخ من جامعة باريس الأولى والثانية بالآداب من جامعة القديس يوسف. إنضمّ إلى الهيئة التعليميّة في كليّة الآداب في الجامعة اللبنانيّة ، وله من المؤلفات ما يُستزاد به دون ارتواء نسوق منها:  تاريخ التأريخ: اتّجاهات، مدارس، مناهج ؛ بين فقه الإصلاح الشيعي وولاية الفقيه: الدولة والمواطن؛  هويّات فائضة.. مواطنة منقوص ؛ مدخل إلى علم التّاريخ: التّأريخ ومدارسه في الغرب وعند العرب؛ مشروع النّهوض العربيّ وأزمة الانتقال من الاجتماع السلطانيّ إلى الاجتماع الوطنيّ؛ السّلطة والمجتمع والعمل السياسيّ من تاريخ الولاية العثمانيّة في بلاد الشّام؛ المسألة الثقافيّة في لبنان: الخطاب السياسي والتّاريخ؛ الاتّجاهات الاجتماعيّة والسياسيّة في جبل لبنان والمشرق العربيّ…

ميدانه فضاءٌ عربي لا أفق له، إتّخذ لنفسه وسيلةً لرصد الحقيقة : “الإشتغال على الفكر” ورأى أن التاريخ لا يعيد نفسه وفقاً لنسخ مكررة ” فثمة تحولاتٍ قد تكون هجينة، فتشير حقيقة أو وهماً إلى تداخل المراحل وتتابعها وبالرغم من أهمية الوعي والخبرة التاريخيّة في عمليّة التعلّم من الزمن، إلا أن الشعوب قلّما تستفيد من تجاربها التاريخيّة”. ساعدته الموسوعيّة الفكريّة على الإنفلاش الثقافي فآمن أن حدود التاريخ وفهمه لا يقتصران على التخصّص بعينه، فالأرض جزء من التاريخ بكليّتها، والأدب بجزله وضعفه جزء من التاريخ، والتاريخ معرفة منها يستقي معالم الحياة، ولا يمكن لحضارة من الحضارات أن تحتكر ” وحدها إنجازات المعرفة”.  كما أنّ المنهج التاريخيّ  ذاته ليس ثمرة زمن واحد ونتاج حضارة واحدة، إنما هو موضوعٌ دائمٌ لقواعد وضوابط وتقنيات سُعِيَ ويُسعى إليها على نحو دائم.

سحر الكلمة وفنونها

إنّ الحديث عن رائدٍ من رواد العلم والثقافة أمثال وجيه كوثراني لا يحتاج إلى سحر الكلمة وفنونها إنما إلى الكثير من الرهافة في إنتقائها وصوغ العبارات،  لما في نتاجه من جواهر تذهب بالوعي، فيخشى من عَزَم على سبر أغوار ديانته الخاصة من شتات عقلٍ إن كان ضعيف القلب، أو زلةٍ قلمٍ ما لم يكن ملكاً. من تعرّف إلى وجيه كوثراني – وإن عبر قراءة كتاباته – يخاله فيلسوفاً إذا ما أراد بلورة الأفكار ونحت المفاهيم ويلمس في تصرفاته شغف الأديب إذا ما أخرج للناس السرديات الكبرى أما من ناحية صياغة تراجم الشخصيّات الكبيرة  فهو يتصرّف كعالم نفسٍ، وكعالم اجتماع، في تشريح الوقائع الإجتماعية ناهيك عن منافسة أهل الصّحافة إذا ما أراد توصيف الأحداث الحقيقيّة. وهو معلّم حقّ ممن نوه بهم أحمد شوقي حين قال” قم للمعلّم وفّه التبجيلا، كاد المعلّم أن يكون رسولا” رسولَ قدوة، يفاخر به الفكر وتتماهى فيه الثقافة. نسي بصماته في عقول من تتلمذوا على يديه- كان لي النصيب من وَسمِها- وكان المعلّم والرائد المتميّز الذي حمله حبّ الآخر إلى مرافقته على درب التعلّم فحمل المشعل ومهّد الطريق لجيل الغدّ مؤسساً بذلك مدرسة جديدة في تأريخ التاريخ وفهمه بهدف إصلاح ما أفسدته” أيديولوجيّة” التفكير المنمّط.

إنّ من تنسّك في صومعة الكلمة، ليلُ بحثه لا يغيب قمره، وخيره غيضٌ من فيض يعطي للحياة معناها، وعبر كلماته يأخذ الوجود معناه فتبقى كتاباته لقَبس العلم منائر تنافس الفجر خصوبةً ورؤى. “رجلٌ في وطن، وطنٌ في رجل” انتدب نفسه لعبور خضم الصَّعب بإرادة لا تقهر. تفور في حناياه نار العروبة لتحرق جهل الإدّعاء المعرفي فبات نموذجاً لغدٍ ما زال يعيش بيننا. حين سُئل يوماً عن ” العلمانيّة” وعلاقة الدّين بالسياسة أجاب بجرأة الفقيه وبراعة الباحث أن ” العلمانيّة تعني أول ما تعنيه في حياتنا السياسيّة والمدنيّة، وقبل دلالاتها الأخرى التي هي موضوع نقاش وآراء وإتجاهات- تعني التسامح- بمعنى قبول الآخر”. وباعتقاده أنها السبيل إلى وضع حدٍ لمن ” نهجوا الإستقواء” بالدّين في الشأن السياسي والمدني والشخصيّ ولكن “ضمن شروط”.

***

ولأنّ قائمة وصفه تطول لما أنجزه في شتى الحقول نخشى أن لا ندركه، ونكتفي بقطف بعضٍ من زهور حدائقه، باقة عطرٍ وألوان تشي بما هو أكثر سخاءً وجمالاً وزهاءً وندعو كلّ من اشتاقت نفسه إلى الثقافة للمشاركة في إحياء عرس الثقافة في أحضان واحة الجامعة الأنطونيّة علّنا نتزود بما اختاره لنا حملة الأقلام من جعبة الضيّف المكرّم وعلنا في غيبة الصفاء نركن إلى التأمل ونصقل عقولنا ببعضٍ من التبر ونستعيد وهجاً كدنا نفقده في عالمِ” التعدديات الفارغة” إلا من وهم الحقيقة.

وجيه كوثراني “إسم علم” يليق بك أيها المحتفى به في دارٍ اعتادت إكرام أهلها، وهنيئاً لمن انضوت مكتبته على غنى كتبك واستزاد من نبعك فانتعش. ليتنا نستعير جرأتك في تعرية المواقف ونقتبس من نهجك لنسير على طريق الخلاص ” في ظل دولة شموليّة تسلطيّة” حيث “القبيلة والعشيرة” أضحتا سيّدتا الموقف.

 

[1]– حفل تكريم المؤرخ وجيه كوثراني، ضمن المبادرة السنويّة التي أطلقتها الجامعة الأنطونيّة في العام 2008 تحت عنوان “إسم علم” وذلك يوم السبت الواقع في 21 حزيران 2014 الساعة السادسة مساءً في الحرم الرئيس للجامعة الأنطونيّة في الحدت- بعبدا

كلام الصور: 1-  المؤرخ وجيه كوثراني 2- الشاعرة سحر حيدر 1- غلاف الجزء الثامن من سلسلسة “إسم علم”، بعنوان “وجيه كوثراني مؤرخ البنى والتحولات”صورةصورةصورة

عيـدُكَ هـالَـةُ الشَّمـْسْ

لمناسبة عيد الأب، وبرعاية وزارة الثقافة بالتعاون مع بلدية مدينة سن الفيل، وحضور شخصيّات سياسيّة ورسميّة وعسكريّة ودبلوماسيّة ودينيّة وفنّيّة وأدبيّة، أحيت” لجنة تكريم رواد الشرق”، برئاسة  أنطوان عطوي، مهرجانا احتفاليا فنّيا ضخمًا، مساء الأربعاء الفائت في المركز الثقافي -سن الفيل، تمّ خلاله توزيع الدروع التكريمية على الآباء المكرّمين، الّذين شغلوا مناصب مرموقة في عدّة مؤسسات حكومية ورسمية وثقافية واجتماعية، وقد ألقت الشاعرة ندى نعمه بجاني القصيدة الآتية بعنوان “عيدُكَ هالَةُ الشَّمْس”:

حَزيرانُ أَتَيْتَ عيدَكَ هالَةَ الشَّمسِ/مِهرَجانًا تَرْفُلُ برائِحَةِ الحَنينِ العَبِقِ/لَكَأَنَّكَ الزَّمانُ في شَغَفِ السَّحائِبِ/تَمُرُّ كَالمَوْجِ المُذَّهَبِ/وَالخَطْوُ بَوصَلَتُهُ عَزْفُ الوَريدِ/تَهْبِطُ في طَوافِ الرّوحْ/زارِعًا بَواكيرَ الزَّنابِقِ الرّابِيَةِ في الشِّغافْ.

فَإذا ضُيوفُكَ !! فَخْرُ الرّجالْ/ في صَرْحِ العَراقَةْ/مُهَجٌ مُجَمَّلَةٌ بالشَّيْبِ/مُخَضَّبَةٌ بالعافِيَةْ/وَالجَوْهَرُ نَفيسٌ/قُلوبٌ مِهْداجَةٌ/كَحَّلَها وَشْمُ العُقودِ،/عُيونٌ غَيارى/ما خانَنا الشَّوقُ يَوْمًا إلَيْها/وَما خَلَتِ الألْبابُ مِنْ نُعْماها/وَلا أَخْفَقَتِ النُّفوسُ تَمْتَثِلُ بمَزاياها.

بُناةُ الأجْيالِ السُّمَحاءُ أَنْتُمْ/فيكُمْ تُقامُ مَراسيمُ الإكْبارْ،/وَمِنْكُمْ يَتَجَلَّى كُنْهُ الرَّغَدِ،/إِنَّكُمْ يا سادَةْ!!/ سادَةٌ بوُجودِكُمْ/قَدْ مَنَحَكُمُ اللهُ جَنَّةً/في جُذورِها غَديرُ الحَياةْ،/إنْ وَطِئْتُمْ صَخْرًا إِعْشَوْشَبَ الصَّخْرُ/وَإِنْ خَطَرْتُمْ /انْسَكَبَ العِطْرُ في رُواءِ الأَزْمانْ.
تَعيشونَ بالجَلالِ وَلا تَرْضَوْنَ بسِواهُ/تُياوِمونَ وَما نابَ أَحَدٌ عَنْ مَقامِكُمْ/وَما خَفَقَتْ روحٌ دونَكُمْ/وَلا كَانَ بغَيْرِكُمْ لِلْعَيْشِ مَعْنى.

إنَّ الأُبُوَّةَ نِعْمَةٌ في الرَّحائِبِ فَحْواها/وَالوُقوفُ في حَرَمِ الأُبُوَّةِ عِزَّةٌ وَوَقارْ/وَأنا الفُؤادُ يَهوى ذَواتِ النَّسَبِ المُتَوَّجِ بالمَجْدِ/بي أَلْفاظٌ تَسْتَفيقُ في هذا الحَفْلِ المَليءِ بالنُّجُدِ/إِذا وَقَفْتُ عِنْدَ فَضائِلِكُمْ/أُدَوِّنُ في صَدْرِ التَّحْنانِ مَطْلَبي/فَيا عَجَبي وَيا آهَةَ قَلْبي/وَيا زَهْوَ الحُروفِ وَهَفيفَ النَّوايا/وَإِذا ما جادَ الفُؤادُ/فَبالنَّغْوِ يَجودُ/وَالكَلِمُ يُؤْتَى بِها،/مِنْ بَناتِ الضَّوْءِ المُنْزَلَةِ/في كُتُبِ السَّماءِ المَفْتوحَةِ عَلى الدُّنْيا.

فَيا روحُ اسْتَفيضي/وَيا نَفْسُ أَسْهِبي/وَيا قَلْبُ سَطِّرْ/ وَعَطِّرْ قُلوبَ العَقيقِ/قُلْها قَصيدَةً في كُلِّ سيرَةٍ/شاءَها القَدَرُ في حِماها/شَأْنًا عَريقَ المَعاني/أُريقَتْ عَلى اسْمِها أَفْخَرُ الأنْخابْ.

Top of Form


نَدى نعمه بجاني

كلام الصور

1-بجاني تلقي قصيدتها

2-الأباء المكرمونصورةصورة

كلمة العميد د. جان داود في تكريم خرّيجي الجامعة اللبنانية معهد الفنون دورة خرّيجي العام 1978

بحضور رئيس الجامعة اللبنانية الدكتور عدنان السيد حسين، وعميد معهد الفنون الدكتور جان داود، ونقيب المهندسين خالد شهاب، نقيب المهندسين في طرابلس  ماريوس بعيني، ورئيس رابطة الأساتذة المتفرّغين في الجامعة اللبنانية، ومدراء فروع معهد الفنون، وأعضاء الهيئة الإدارية لخرّيجي معهد الفنون، وممثلي الأساتذة، ورؤساء الأقسام، وأعضاء هيئات الأقسام، وأساتذة من المعهد، كرّمت رابطة خرّيجي معهد الفنون دورة خرّيجي العام 1978 حيث قدّم رئيس الجامعة الدكتور دروعاً تذكارية للمكرّمين تقديراً لعطاءاتهم.

هنا كلمة عميد معهد الفنون الدكتور جانداود في المناسبة:

 

معالي رئيس الجامعة اللبنانية الدكتور عدنان السيد حسين، عندما تكرّم الرابطة خرّيجيها فهي تكرّم رئيسها وإدارتها وأساتذتها. إنّها تكرّم المشروع التربوي الذي تسهرون عليه حتى المواطنة.

ثمارُ المعهد خرّيجوه. غاية  المعهد خرّيجه. صورة  المعهد خرّيجه.

عمارة ً، مسرحاً، لوحة  وتشكيلاً، تزييناً، مشهداً، فيلماً، إعلاناً وتواصلاً، خرّيج المعهد هو الغاية. هو الغاية لأنّه صانع الوطن. هو الغاية لأنه الثورةُ البيضاء مبدعاً، هو الغاية لأنّ به النهوض بالذات والآخر. هو الغاية لأنّه تفوّق الذات على ذاتها عِلماً، إبداعاً، قيَماً جماليّة، مناقبيّة، استشرافاً لمستقبل وصنعاً له.

الخرّيج هو الغاية. ونريد خرّيجينا باستمرار متميّزين، نريدهم إرادة، نريدهم مسكونين بهاجس الإبداع والتفوّق وبروح الفنّان الباحث. من هُنا أهمّية عملنا اليوم وسهرنا على المعهد بعناية وجـِـدّ لإخراجه من كبوة المناهج، ولتطوير نظامه التربوي.

نعم ، يتفوّق خرّيجونا وطلابنا ويفوزون بالجوائز وآخرها جائزة الجادرجي للعمارة: فازت بالمركز الأول الخرّيجة جوستين عيد حرب من معهد الفنون الجميلة الفرع الثاني، وفاز بالمركز الثاني الخرّيج علي مصطفى شاهين من الفرع الأول. (أُذكِّر للمنافسة القادمة بأنّه ما زال هناك جائزة ثالثة – المركز الثالث – نريدها أيضاً بالإضافة إلى المركزين الأول والثاني).

الجوائز التي حصدها طلابنا في فنون الإعلان والتواصل البصري أو الفنون التشكيليّة بالعشرات، ومنها جوائز دوليّة (كوريا الجنوبيّة)، ومنها المحليّة. أكثر من مرّة انتزع خرّيجو اختصاص المسرح كما السينما جوائز مهرجانات الأفلام القصيرة وآخرها لهذا العام جائزة مهرجان الفيلم الأوروبي (فاز بها فادي قازان من الفرع الثاني). انتزع طلاب المسرح والسينما جوائزهم في أكثر من مهرجان وهُم طلاب إجازة ينافسون طلاباً في الماستر من جامعات أُخرى محلّية وعالمية. أكثرمن أستاذ في المعهد حصد جوائز عربيّة ودوليّة ومنهم بهيج حجيج وجوليا قصار وغيرهما، وهُم من خريجي قسم المسرح في المعهد أيضا قبل أن يكونوا أساتذة فيه.

الجوائز ليست بهدف ولكنّها علامة ومناسبة للثناء على جهود الأساتذة الذين يقفون خلف هذه الإنجازات. وهنا مناسبة للكلام على أهمّية مباريات الدخول والسّهر عليها وتطوير آلياتها شكلاً ومضموناً، وهي أيضاً مناسبة للثناء على جهود من يسهر على إجراء مباريات الدخول بشفافية ومسؤوليّة حيث ننتهي إلى اختيار النخبة من تلامذة الوطن. اختيارنا للنخبة يضعنا أمام مسؤولية مضاعفة وأمام رهان تربوي حقيقيّ وتحدٍّ: أن تستمرّ النخبة نخبة وألا تقتصر النخبة على بعض المتفوّقين. من هُنا ضرورة أن ننتهي بفلسفتنا ومساراتنا وعملانيتنا إلى تربية إبداعية، تربية لمبدعين أحرار. وهذا يفرض علينا انتصاراً على الذات في كل مرّة: انتصاراً على الأنانية، انتصاراً على الإحباط، انتصاراً على التشاوف، انتصاراً على من يجرّ المعهد إلى مصالح ضيّقة،  وسعياً إلى أن يكون كلّ طالب متفوّقاً  ومبدعاً، متفوّقاً على ذاته باستمرار، ومنتمٍ إلى المشروع الإنساني البَنّاء.

نجاحاتنا تدعونا إلى مزيد من التواضع، إلى مزيد من الجهود. أمامنا الكثير من العمل، أعرف ذلك، وأدركت ذلك باستمرار.

ونجاحاتنا حافز جديد على مزيد من الاهتمام ببيتنا الداخلي. لذا وضعتُ في أولويّة اهتماماتي إعادة ترتيب البيت الداخلي : على مستوى الأساتذة بشكل رئيس. أهتمّ للمناهج وتطويرها  بدون شك، وأتابعها بشكل حثيث مع زملاء أعتزّ بهم. ولكنْ، كانت ما كانت المناهج تبقى العبرة في  التطبيق وفي كفاءة المربّي ومنهجيّته ومنهجه وأسلوبه ومهاراته. وتطوير هذه المهارات هو عمل مستمر. من هُنا دورنا في العمادة في تأمين الفرص لهذا التطوير أو التكوين المستمرّ بشراكة بين المؤسّسة والأستاذ نفسه.

 

و هُنا دور أساسي لنا كخرّيحين (وأكثر الأساتذة بمن فيهم العميد والمديرين وأكثر رؤساء الأقسام في المعهد اليوم من الخرّيجين) في مهمّة أساسيّة: كيف نحمي مستقبل المعهد ونتعاون لنأتي بفَعَلة ماهرين تربويّين أكاديميّين ومبدعين في آن. كيف نأتي إلى إدارة المعهد وعمادته بأهل الاختصاص فيه. إنّ معهد الفنون الجميلة أيام نقولا النمار وسناء عبد الصمد ونظامٍ تقرّرت تسميته بنظام قديم، معهدٌ آخر على مستوى التخطّيط، وعلى مستوى الحياة الأكاديمية، وعلى مستوى خرّيجين ملأوا الدنيا نجاحات ويسيرون بحقّ مرفوعي الرأس. هذه التحية للعميدين لا تعني انتقاصاً من جهود مُلفتة بذلها عمداء آخرون ممّن أتوا من خارج اختصاصات المعهد الأساسيّة، فنقدّر مثلاً الجهود المبذولة من العميد هاشم الأيوبي (وهو ابن الفنون كشاعر) الذي قام بإنجازات على مستوى المناهج. بات في المعهد برامج تخصّص عليا: الترميم (مع مديرته الناشطة الأكاديميّة الدكتورة راوية المجذوب)، التنظيم المديني (مع الدكتور مصباح رجب)، والسينوغرافيا (مع الدكتور على المسمار وبالتالي مع الدكتور وليد دكروب)، وتصميم المشهد (مع الدكتورة كريستيان صفير)، ناهيك عن ماستر بحثي في العمارة يسمح بالتوجّه لمتابعة الدكتوراه تُعنى به بمتابعة حثيثة وفاعلة الدكتورة ندى شباط، وماستر بحثي في اختصاص الفن وعلوم الفن (أُعنى به بنفسي إلى جانب اهتمامي بالعمادة). ولا بدّ لي هنا من لفتٍ إلى أنّ الدكتوراه، ليست ترفاً ولا بحثاً عن لقب أو عن جواز سفر إلى التعليم العالي. إنها مسار بحثي تكويني على مستوى الشخصية الأكاديمية. إنها ضرورة على مستوى البحث وتطوير البحث. الإبداع مرهون بالبحث، والتربية كذلك، لهذا كان الماستر البحثي في الفن وعلوم الفن.

أن نحمي المعهد يعني أن ننجح في إبعاده عن سياسة المصالح فنحتكم إلى سياسة واحدة: المصلحة العليا للخرّيجين، فنأتي بقيّمين عليه ليس فقط من أهل الاختصاص إنّما من أهل الكفاءة وعلى أساس المفاضلة بين الملفّات. إنْ على مستوى العمادة أو على مستوى تعيين أو تكليف مدراء، ونحن على أبواب دورة جديدة لتكليف أو تعيين مدراء جدد نريدهم مُجدّدين. وأصحاب مشروع تربويّ… التحدّي أمامهم كبير لأن بين المدراء الحاليين والسابقين من رفع سقف الأداء وهنا لا بدّ لي من تحيّة لمديري الفروع (مي كرامة ، أكرم قانصوه، أنطوان شربل، علي العلي) لتعاونهم ومتابعاتهم ولا بدّ من لفت تهنئة خاصة لمدير الفرع الثالث الأستاذ علي العلي لما بذله لتحقيق الانتقال بالمعهد من فوّهة الأحداث في القبّة إلى فضاء ومناخ تنفّس معه الأساتذة والطلاب والحياة الأكاديمية هواء نظيفاً.

أنْ نحمي المعهد يعني أن نُعنى بالأساتذة والكفاءآت منهم فنحتفظ ببعضهم ممّن بلغوا سن التقاعد للضرورة الأكاديميّة وليكونوا خميرة للأساتذة الشباب يتداولون الهمّ المعرفي والخبرة. من هذا المنطلق وإفساحاً في المجال أمام الأساتذة الشباب لتعزيز تحصيل علمي عالٍ، عملنا على فتح سنة تخصّصية عليا تتيح لهم حيازة ماستر في الفن وعلوم الفن بما يعزّز علاقتهم بالبحث العلمي، ويفتح الأفق البحثية ويسمح لهم بمتابعة الدكتوراه. وقد تسجّل أكثر من عشرين أستاذاً لمتابعة هذا الماستر ممّا يعكس اهتماماً علمياً نعوّل عليه لدى الأساتذة الشباب.

كما أنّنا نعدّ لفتح ماستر متخصّص في النقد الفنّي من منطلق حاجة الوطن إلى ناقد ومنشّط وخبير في الفنون (وهذا الماستر سيكون مفتوحاً لكل اختصاصات المعهد: المسرح، السينما، الفنون الإعلانية والتواصل البصري، الفنون التشكيلية، الهندسة الداخلية والعمارة). فنحن بحاجة إلى ناقدٍ وعين ساهرة متخصّصة ترفع الصوت حيث يجب وتصحِّح حيث يجب، وتكرّس حضورنا وتراثنا ورؤانا ودورنا على الساحة العالميّة.

أعددت لصيف نبذر فيه لنحصد أعواماً مثمرة : فلدينا هذا الصيف مجموعة من الورش للأساتذة تتوخى:

تقييم تجربة المناهج، وتطويرها (حيث تبيّن أنّ هناك حاجة ماسّة إلى إعادة نظر خاصّة في اختصاصي السينما والمسرححيث كانت الدراسة في أيام تخرَّج فيها الزملاء المكرّمون الليلة (نجاة طويل، شربل طياح، جورج دياب) لمدة أربع سنوات، يُتابع فيها الطالب ما يفوق التسعماية ساعة من التدريب على التمثيل فقط في حين، باتت الدراسة اليوم ثلاث سنوات منها سنة جذع مشترك (يتابع فيه الطالب أربع ساعات تمثيل في الأسبوع) ويتابع الطالب فقط أربعماية وخمسون ساعة في مجمل سنوات تخصصه أي نصف عدد ساعات الدراسة في المنهج القديم).

نتوخى من ورشة صيف 2014:

  1. وضع خطط عمل تربوية تتّسم مع رؤية وفلسفة النظام الجديد،
  2. إنجاز كامل لتوصيف المواد،
  3. الانخراط في ورش علميّة حول أسس التقييم ووضع أسئلة الامتحانات في نظام تربوي يُخرِج من التلقينية،
  4. وضع دينامية جديدة لإدارة الصف، ولمتابعة تدريب  الطلاب (ستاج) وفق أُسس ومنهجية عمل جديدة……
  5.  تطوير النظام الداخلي للمعهد،
  6. وضع معايير علمية لتقييم الممارسة المهنية،
  7. تفعيل البحث العلمي في المعهد،

…..

ناهيك عن تركيز خاص على تطوير علاقة المعهد بالمجتمع المدني وهيئاته. وهذه مسألة تحتاج إلى تضافرنا : المعهد والخرّيجون، ومعنا في هذا الصدد الدعم الكامل من رئيس الجامعة. (كما أنّني قد أجريت سلسلة اتصالات لمجموعة مشاريع تعاون مع مؤسسات كبرى في مختلف اختصاصات المعهد).

لقد أنجزت وأستمر في العمل على لقاءات أكاديمية تفاعلية بين الأساتذة من مختلف الفروع لوضع ومناقشة خطط عمل والتداول بينهم في الشأن الأكاديمي.

كما أنجزنا ثبتاً مرجعياً بأساتذة المعهد واختصاص كل منهم بما يسهل للطالب مهمة اختيار أستاذه المشرف أو الأستاذ الذي سيتوجه إليه في استشارات معيّنة.

وبدأنا العمل  على إنجاز “ويب سايت” يسمح بحضور للمعهد يلبي علاقة الخارج والداخل به، وقد بات المشروع بحكم المسوّدة المكتملة.

وأتمنّى بشكل رئيس لمشروع عنوانه: “كل أستاذ باحث” توخّياً في خطة عملي لإنجاز المشروع الغاية “كلّ طالب باحث” بما ينسجم مع فلسفة الأنظمة التربويّة الحديثة”. وفي هذا الإطار بدأتُ سلسلة لقاءات ومحاضرات وورش عمل مع الأساتذة تحت عنوان “أسس تقييم البحث العلمي”، وأقمنا بالتالي عقوداً لسلسلة من المحاضرات والندوات مع اختصاصيّين وأعلام متميّزين، كما وضعنا بين أيدي الأساتذة أُسساً وملفّات لإقامة بحوث علمية مدعومة أو مموّلة من الجامعة، وأنجزنا خلال الأشهر الثلاث المنصرمة ما يسمح للأساتذة بالتواصل العلمي مع المكتبات الإلكترونية الدولية (حيث بات في تصرف الاستاذ وبدون أية تكلفة مئات آلاف الكتب في شتى الاختصاصات العلمية والفنية والأدبية (الجامعة اللبنانية تسدد اشتراكات سنوية بهذا الشأن)).

في إطار تعزيز التواصل التربوي على مستوياته المختلفة، بدأنا سلسلة لقاءات مع الطلاب من الاختصاصات المختلفة (مسرح وسينما وتلفزيون، عمارة،…)؛ بالإضافة الى سلسلة لقاءات مع هيئات الأقسام في الفروع الأربعة للمعهد، تناولت القانون 66، ودورالأقسام وهيئة القسم ورئيس القسم، وتعزيز روح البحث، وفلسفة النظام التربوي الجديد، وديناميّة الصف الملائمة، والمقاربة التربوية عامّة، وأسس التقييم التربوي، والتكامل بين المواد المختلفة، والتنسيق التربوي الأفقي والعمودي في الاختصاص، والتكامل بين الأساتذة والإدارة، والتنسيق لجهة المشاريع وتعزيز روح التعلّم الذاتي وتأمين مناخ تربوي ملائم لعملية تربوية ناضجة تؤسس لفكرة الطالب الباحث… وهذه اللقاءات حملت تباشير واعدة، وأعادت روح الثقة بين الطالب والمؤسسة بأساتذتها، إدارتها وعميدها…

 

مسألة أخيرة: لفتني خلال حياتي الجامعية كأستاذ في كلية الآداب والعلوم الإنسانية وكلية التربية ومعهد الفنون الجميلة، ورئاسة قسم المسرح والسينما لعشر سنوات، وخلال عملي كرئيس لمركز الامتحانات في معهد الفنون الجميلة، نوع من العلاقة بين الطالب والجامعة، وبين الطالب والمعهد، وأحياناً بين بعض الأساتذة والمعهد، كما بين بعض الموظفين والمعهد. إنّ العلاقة مع المؤسّسة في كثير من الحالات علاقة نفعيّة، فكان في خطتي وعملي، ومن أجل الخرّيج والطالب والجامعة ومن أجل صورة المعهد والجامعة، عنوان أساسي: العمل على التأسيس لروح الانتماء إلى المعهد وتعزيزه، وبالتالي الانتماء إلى مشروع حضاري نجعل المعهد جزءاً منه. من هنا بدأت سلسلة لقاءات بالطلاب والأساتذة ومن هُنا كان طلبنا إلى المدراء إنجاح خطة ساهمت فيها الإدارة وممثلو الأساتذة وبعض الأساتذة، فكانت ويجب أن تستمر سلسلة نشاطات رياضية (كان أحدها تحت عنوان “الرياضة ضد التدخين”)، ومحاضرات، ولقاءات تفاعلية فنية بين طلاب الفروع: “يوم مسرحي بين الفنون” حيث ذهبنا مع طلاب الفرعين الأول والثاني في اختصاص المسرح وأقمنا باستضافة مدير الفرع الثالث في راسمسقا الكورة، يوماً مسرحياً التقى فيه طلاب الاختصاص من الفرعين، وحملوا إلى الفرع لثالث ابتسامة ونشاطاً وتفاعلاً مع المسرح ونقاشاً. وهذا اليوم سيكون له مثيله في الفرع الرابع في الخريف المقبل.

إنّ الاهتمام لم ولن يقتصر على ورش البناء الأكاديمية، فقد بادرنا إلى مشروع فضاءات جديدة للمعهد على مستوى الأبنية وسنعلن عن ذلك فور توقيع اتفاقات بشأنه. كما أنني قد باشرت اتصالات مع أكثرمن مؤسسة إعلامية لتكون استوديوهات تلك المؤسسات مختبرات تدريب لطلابنا في اختصاصات المسرح والسينما والتلفزيون. وأفضّل بالنسبة لمجموعة مشاريع أن أبقى في نمطي أنجز ثمّ أعلن.

يبقى هَمّ أساسي وعنوان لعملي: معهد الفنون الجميلة قلب نابض للمجتمع المدني، وحال إبداع من أجل وطنٍ للجميل، وطنٍ للحياة. الحياة بدون تلك اللمسة التي نحملها أو التي نضعها في الفنون وبالفنون رتيبة ومملّة. الميثاق الوطني يبدأ بفلسفة الجميل، ومعهد الفنون الجميلة مدعوّ إلى النجاح حيث تعثـّر من تعثـّر..

إنّ ما نقوم به على مستوى البيت الداخلي، يحتاج بالمقابل لتأمين مناخ نفسي للأساتذة المتعاقدين يشعرون معه بالأمن الاجتماعي، وهذا واجب الدولة تجاههم. فالجامعة اللبنانيّة بحاجة إلى أساتذة متفرّغين. ليس فقط لأنّ القوانين تقول بضرورة أن يكون أكثر من 75 بالماية من أساتذتها متفرّغين (وحال الجامعة اليوم غير ذلك، المتفرغون لا يتجاوزون الخمسة والعشرين بالماية)، إنّما لأنّ التفرّغ ضرورة للأساتذة الذين استوفوا الشروط لتأمين تفرّغ نفسي وحال انتماء إلى الجامعة ولتوفير طاقتهم للجامعة اللبنانية عوضاً عن الانتقال بين جامعة وأخرى لضرورات معيشيّة. من هنا أولويّة ملف تفريغ الأساتذة الذين استوفوا الشروط. ومن هنا واجب علينا أن نضمن حقّهم بالتفرّّغ بشكل عملاني فأتمنّى أن يُصدر رئيس الجامعة قراراً مُعلّلاً يعتبر من استوفى الشروط متفرّغاً، وتوزّع عليه النصابات الأكاديمية على هذا الأساس بدءاً من الأول من تشرين الأول 2014. وأعتقد أنّ معالي وزير التربية بالجرأة الكافية وحسّ العدالة الكافي ليُقدم على المضيّ بهذه الخطوة. كما نرى الوزير الياس بوصعب يُشكّل فرصة عدالة اضافية وتحفيز إضافي عبر تحويل عقود المصالحة إلى عقود تسمح بأن يتقاضى المتعاقدون أجورهم بشكل شهري ممّا ينصفهم فلا ينتظرون سنتين ليتقاضوا أجورهم. والجامعة اليوم تتوقّع من الوزير بو صعب بخلفيته الأكاديمية والمناقبيّة وحرصه على جامعة الوطن، أن يقدّم لها ولمعهد الفنون الجميلة بالتحديد في التعيينات القادمة  صاحب اختصاص ومشروع تربوي يرتقي بالمعهد إلى ما هو منشود منه ومن الفنون على مستوى الدور الوطني والرسولي.

لمناسبة كريمة مثل التي دعت إليها رابطة الخرّيجين ما كنت لأطيل، ولكنّ بعض ما استعرضت يطمئنكم على أنّ المعهد في عهدة خريج ضنين به. وأؤكد هنا ضرورة تكوين عُصبة تدعم المعهد في مشروع قيام الوطن والانتماء إليه.

معالي الرئيس، رئيس وأعضاء الهيئة الإدارية لرابطة خرّيجي معهد الفنون،

قبل أن تكون الثورة، المبدع ثائر.

وقبل أو عند إنجازٍ ما يستكين غضب الشعب. وتستمر الثورة والنهوض فقط في عروق المبدعين.

المبدع ضمير الشعب والأمم.

المبدع ضميرالإنسان والإنسانية.

المبدع صوت الوجع الفائت، والكامن، والعائد احتمالاً إنْ لا يستمر الوعي ثوريّاً، صوفيّاً.

شكراً لكم (رابطة الخريجين)، تكرّمون الوطن في تكريمكم لمبدعين وبنّائين من خرّيجي دورة 1978.

تحية لكم مبدعين.

 

أ‌.       د. جان داود

عميد معهد الفنون الجميلة  منذ كانون الثاني 2014

دكتور في الدراسات السينمائيّة والمسرحيّة جامعة باريس الثامنة

باحث، دراماتورج، مُعِدّ مُمَثِّل، مؤسّس مختبر الدراماتورجيا، التمثيل والنصوص

خبير ومدرب في مجال التواصل ، التربية الإبداعية،  والعلاج بواسطة اللعب وفنون العرض

أستاذ الدراماتورجيا والإخراج (معهد الفنون الجميلة-2) ومادّة السينما (كلية الآداب والعلوم الانسانية-2)

أستاذ مادّة العلاج بالفن في قسم علم النفس في الجامعة اللبنانية

مستشار في مجالات المسرح والسينما والتلفيزيون (دراماتورجيا، كتابة وإخراج)

أمين عام مؤتمر بيروت للمسرح

هاتف : 961 3 303536

بريد الكتروني: jeandaoud@yahoo.com

موقع الكتروني: www.abhas.netصورةصورة