تكريم الأديب والباحث والمؤرخ وجيه كوثراني في الجامعة الأنطونيّة

سحر نبيه حيدر

هو حدثٌ، يترصَّده كلّ من تاقت نفسه إلى لثم الثقافة كأساً تدير العقول وتذكرنا بأننا على الأرض حملة أقلام وأصحاب رسالة. هو المكان، الإرث الحضاري الذي يهدف منذ بزوغه إلى بناء العقل ولملمة الأحرف المبعثرة ونفخ روح المعرفة، علماً، أدباً، إجتماعاً، إرتقاءً، ثقافةً وموسيقى. إنه اللقاء العهد الذي عهدناه مع “إرادة” الجامعة الأنطونيّة في لمّ شمل الأحباء في كلّ عام، للإحتفاء بعلمٍ من بلادي، من الألى وَعَوا الوجه الحقيقي للحياة ونهجوا نحو الإرتقاء، فمهّدوا الطريق وسَقَوا العقول فبات إسمهم “إسم علم”[1].

“إسم علم” مبادرةٌ رسمت الرهبنة الأنطونيّة كبرى عناوينها وخطّت أدق تفاصيلها، من خلال جامعتها الأنطونيّة التي لا تتوانى عن مقارعة أهل الفكر لتستزيد منهم رفعةً ومكانة، مشيرةً بالبنان إلى بعضٍ من لفيف لا يستهان بعبقرية تفكيره، من رواد الإبداع وحراس هيكل الثقافة والحضارة العلميّة، في زمن تكافلت الشدائد على حرق الوطن بغوغائية الطائفية وسُحبت العقول إلى الدرك الأسفل حيث اللادولة واللاإستقرار، ما خلا مَن رسموا التاريخ بشفافيّة وأدركوا أنّ البقاء لله وحده وأن لا نصرة إلا للحقّ، وأنّ طائر الفينيق لا بد وأن ينهض في وطنِ إعتاد اجترار الألم. حيث كلمة ” الإستسلام” مغيّبة من قواميسه والرّضوخ أمسى سلّماً مَشَقه طلاب الغدّ وتخطاه بجرأةٍ دعاة العلم والإنسان.

البحث العلميّ الأكاديميّ

تدعونا الجامعة الأنطونيّة إلى وليمتها السنويّة إلى لقاء ضيف شرفٍ ، صاحب فكرٍ نيرٍ، لقّن التواضع درساً بالتواضع حين اتّخذ البحث العلميّ الأكاديميّ نبراساً يأبى التنازل عنه. ما غرّته المناصب وما قضّ مضجعه يوماً غير التنقيب عن الحقيقة وماهيّة تدريب من مشوا إلى جانبه على إعتناقها. فلمع اسمه باحثاً تاريخياً في أقطاب العالم العربي وعلى امتداد مساحته، وأضاءت كُتبه ” الدياجير” المبهمة، متّخذاً نهج البلاغة الصادق وروح المعرفة المتجرّدة ليقدّم لخلانه ورفاق عقله، ما تصبو إليه النفوس العطاش.

أنه الأديب والباحث والمؤرخ وجيه كوثراني، اللبنانيّ الأصل، الإنسانيّ الفروع، لأسرة إختارها القدر أن تكون من جنوب لبنان، من قرية طبعت في ذاكرته حبّ الوطن والتوق إلى الحرية، قرية  “أنصار”. حمل التاريخ في قلبه وطوّعه واختصر الطريق على من هفا إليه ليطّلع على ما غاب عنه، فأوفى التاريخ حقه بعد أن توّج دراسته بشهادتي دكتوراه، إحداهن في التاريخ من جامعة باريس الأولى والثانية بالآداب من جامعة القديس يوسف. إنضمّ إلى الهيئة التعليميّة في كليّة الآداب في الجامعة اللبنانيّة ، وله من المؤلفات ما يُستزاد به دون ارتواء نسوق منها:  تاريخ التأريخ: اتّجاهات، مدارس، مناهج ؛ بين فقه الإصلاح الشيعي وولاية الفقيه: الدولة والمواطن؛  هويّات فائضة.. مواطنة منقوص ؛ مدخل إلى علم التّاريخ: التّأريخ ومدارسه في الغرب وعند العرب؛ مشروع النّهوض العربيّ وأزمة الانتقال من الاجتماع السلطانيّ إلى الاجتماع الوطنيّ؛ السّلطة والمجتمع والعمل السياسيّ من تاريخ الولاية العثمانيّة في بلاد الشّام؛ المسألة الثقافيّة في لبنان: الخطاب السياسي والتّاريخ؛ الاتّجاهات الاجتماعيّة والسياسيّة في جبل لبنان والمشرق العربيّ…

ميدانه فضاءٌ عربي لا أفق له، إتّخذ لنفسه وسيلةً لرصد الحقيقة : “الإشتغال على الفكر” ورأى أن التاريخ لا يعيد نفسه وفقاً لنسخ مكررة ” فثمة تحولاتٍ قد تكون هجينة، فتشير حقيقة أو وهماً إلى تداخل المراحل وتتابعها وبالرغم من أهمية الوعي والخبرة التاريخيّة في عمليّة التعلّم من الزمن، إلا أن الشعوب قلّما تستفيد من تجاربها التاريخيّة”. ساعدته الموسوعيّة الفكريّة على الإنفلاش الثقافي فآمن أن حدود التاريخ وفهمه لا يقتصران على التخصّص بعينه، فالأرض جزء من التاريخ بكليّتها، والأدب بجزله وضعفه جزء من التاريخ، والتاريخ معرفة منها يستقي معالم الحياة، ولا يمكن لحضارة من الحضارات أن تحتكر ” وحدها إنجازات المعرفة”.  كما أنّ المنهج التاريخيّ  ذاته ليس ثمرة زمن واحد ونتاج حضارة واحدة، إنما هو موضوعٌ دائمٌ لقواعد وضوابط وتقنيات سُعِيَ ويُسعى إليها على نحو دائم.

سحر الكلمة وفنونها

إنّ الحديث عن رائدٍ من رواد العلم والثقافة أمثال وجيه كوثراني لا يحتاج إلى سحر الكلمة وفنونها إنما إلى الكثير من الرهافة في إنتقائها وصوغ العبارات،  لما في نتاجه من جواهر تذهب بالوعي، فيخشى من عَزَم على سبر أغوار ديانته الخاصة من شتات عقلٍ إن كان ضعيف القلب، أو زلةٍ قلمٍ ما لم يكن ملكاً. من تعرّف إلى وجيه كوثراني – وإن عبر قراءة كتاباته – يخاله فيلسوفاً إذا ما أراد بلورة الأفكار ونحت المفاهيم ويلمس في تصرفاته شغف الأديب إذا ما أخرج للناس السرديات الكبرى أما من ناحية صياغة تراجم الشخصيّات الكبيرة  فهو يتصرّف كعالم نفسٍ، وكعالم اجتماع، في تشريح الوقائع الإجتماعية ناهيك عن منافسة أهل الصّحافة إذا ما أراد توصيف الأحداث الحقيقيّة. وهو معلّم حقّ ممن نوه بهم أحمد شوقي حين قال” قم للمعلّم وفّه التبجيلا، كاد المعلّم أن يكون رسولا” رسولَ قدوة، يفاخر به الفكر وتتماهى فيه الثقافة. نسي بصماته في عقول من تتلمذوا على يديه- كان لي النصيب من وَسمِها- وكان المعلّم والرائد المتميّز الذي حمله حبّ الآخر إلى مرافقته على درب التعلّم فحمل المشعل ومهّد الطريق لجيل الغدّ مؤسساً بذلك مدرسة جديدة في تأريخ التاريخ وفهمه بهدف إصلاح ما أفسدته” أيديولوجيّة” التفكير المنمّط.

إنّ من تنسّك في صومعة الكلمة، ليلُ بحثه لا يغيب قمره، وخيره غيضٌ من فيض يعطي للحياة معناها، وعبر كلماته يأخذ الوجود معناه فتبقى كتاباته لقَبس العلم منائر تنافس الفجر خصوبةً ورؤى. “رجلٌ في وطن، وطنٌ في رجل” انتدب نفسه لعبور خضم الصَّعب بإرادة لا تقهر. تفور في حناياه نار العروبة لتحرق جهل الإدّعاء المعرفي فبات نموذجاً لغدٍ ما زال يعيش بيننا. حين سُئل يوماً عن ” العلمانيّة” وعلاقة الدّين بالسياسة أجاب بجرأة الفقيه وبراعة الباحث أن ” العلمانيّة تعني أول ما تعنيه في حياتنا السياسيّة والمدنيّة، وقبل دلالاتها الأخرى التي هي موضوع نقاش وآراء وإتجاهات- تعني التسامح- بمعنى قبول الآخر”. وباعتقاده أنها السبيل إلى وضع حدٍ لمن ” نهجوا الإستقواء” بالدّين في الشأن السياسي والمدني والشخصيّ ولكن “ضمن شروط”.

***

ولأنّ قائمة وصفه تطول لما أنجزه في شتى الحقول نخشى أن لا ندركه، ونكتفي بقطف بعضٍ من زهور حدائقه، باقة عطرٍ وألوان تشي بما هو أكثر سخاءً وجمالاً وزهاءً وندعو كلّ من اشتاقت نفسه إلى الثقافة للمشاركة في إحياء عرس الثقافة في أحضان واحة الجامعة الأنطونيّة علّنا نتزود بما اختاره لنا حملة الأقلام من جعبة الضيّف المكرّم وعلنا في غيبة الصفاء نركن إلى التأمل ونصقل عقولنا ببعضٍ من التبر ونستعيد وهجاً كدنا نفقده في عالمِ” التعدديات الفارغة” إلا من وهم الحقيقة.

وجيه كوثراني “إسم علم” يليق بك أيها المحتفى به في دارٍ اعتادت إكرام أهلها، وهنيئاً لمن انضوت مكتبته على غنى كتبك واستزاد من نبعك فانتعش. ليتنا نستعير جرأتك في تعرية المواقف ونقتبس من نهجك لنسير على طريق الخلاص ” في ظل دولة شموليّة تسلطيّة” حيث “القبيلة والعشيرة” أضحتا سيّدتا الموقف.

 

[1]– حفل تكريم المؤرخ وجيه كوثراني، ضمن المبادرة السنويّة التي أطلقتها الجامعة الأنطونيّة في العام 2008 تحت عنوان “إسم علم” وذلك يوم السبت الواقع في 21 حزيران 2014 الساعة السادسة مساءً في الحرم الرئيس للجامعة الأنطونيّة في الحدت- بعبدا

كلام الصور: 1-  المؤرخ وجيه كوثراني 2- الشاعرة سحر حيدر 1- غلاف الجزء الثامن من سلسلسة “إسم علم”، بعنوان “وجيه كوثراني مؤرخ البنى والتحولات”صورةصورةصورة

عيـدُكَ هـالَـةُ الشَّمـْسْ

لمناسبة عيد الأب، وبرعاية وزارة الثقافة بالتعاون مع بلدية مدينة سن الفيل، وحضور شخصيّات سياسيّة ورسميّة وعسكريّة ودبلوماسيّة ودينيّة وفنّيّة وأدبيّة، أحيت” لجنة تكريم رواد الشرق”، برئاسة  أنطوان عطوي، مهرجانا احتفاليا فنّيا ضخمًا، مساء الأربعاء الفائت في المركز الثقافي -سن الفيل، تمّ خلاله توزيع الدروع التكريمية على الآباء المكرّمين، الّذين شغلوا مناصب مرموقة في عدّة مؤسسات حكومية ورسمية وثقافية واجتماعية، وقد ألقت الشاعرة ندى نعمه بجاني القصيدة الآتية بعنوان “عيدُكَ هالَةُ الشَّمْس”:

حَزيرانُ أَتَيْتَ عيدَكَ هالَةَ الشَّمسِ/مِهرَجانًا تَرْفُلُ برائِحَةِ الحَنينِ العَبِقِ/لَكَأَنَّكَ الزَّمانُ في شَغَفِ السَّحائِبِ/تَمُرُّ كَالمَوْجِ المُذَّهَبِ/وَالخَطْوُ بَوصَلَتُهُ عَزْفُ الوَريدِ/تَهْبِطُ في طَوافِ الرّوحْ/زارِعًا بَواكيرَ الزَّنابِقِ الرّابِيَةِ في الشِّغافْ.

فَإذا ضُيوفُكَ !! فَخْرُ الرّجالْ/ في صَرْحِ العَراقَةْ/مُهَجٌ مُجَمَّلَةٌ بالشَّيْبِ/مُخَضَّبَةٌ بالعافِيَةْ/وَالجَوْهَرُ نَفيسٌ/قُلوبٌ مِهْداجَةٌ/كَحَّلَها وَشْمُ العُقودِ،/عُيونٌ غَيارى/ما خانَنا الشَّوقُ يَوْمًا إلَيْها/وَما خَلَتِ الألْبابُ مِنْ نُعْماها/وَلا أَخْفَقَتِ النُّفوسُ تَمْتَثِلُ بمَزاياها.

بُناةُ الأجْيالِ السُّمَحاءُ أَنْتُمْ/فيكُمْ تُقامُ مَراسيمُ الإكْبارْ،/وَمِنْكُمْ يَتَجَلَّى كُنْهُ الرَّغَدِ،/إِنَّكُمْ يا سادَةْ!!/ سادَةٌ بوُجودِكُمْ/قَدْ مَنَحَكُمُ اللهُ جَنَّةً/في جُذورِها غَديرُ الحَياةْ،/إنْ وَطِئْتُمْ صَخْرًا إِعْشَوْشَبَ الصَّخْرُ/وَإِنْ خَطَرْتُمْ /انْسَكَبَ العِطْرُ في رُواءِ الأَزْمانْ.
تَعيشونَ بالجَلالِ وَلا تَرْضَوْنَ بسِواهُ/تُياوِمونَ وَما نابَ أَحَدٌ عَنْ مَقامِكُمْ/وَما خَفَقَتْ روحٌ دونَكُمْ/وَلا كَانَ بغَيْرِكُمْ لِلْعَيْشِ مَعْنى.

إنَّ الأُبُوَّةَ نِعْمَةٌ في الرَّحائِبِ فَحْواها/وَالوُقوفُ في حَرَمِ الأُبُوَّةِ عِزَّةٌ وَوَقارْ/وَأنا الفُؤادُ يَهوى ذَواتِ النَّسَبِ المُتَوَّجِ بالمَجْدِ/بي أَلْفاظٌ تَسْتَفيقُ في هذا الحَفْلِ المَليءِ بالنُّجُدِ/إِذا وَقَفْتُ عِنْدَ فَضائِلِكُمْ/أُدَوِّنُ في صَدْرِ التَّحْنانِ مَطْلَبي/فَيا عَجَبي وَيا آهَةَ قَلْبي/وَيا زَهْوَ الحُروفِ وَهَفيفَ النَّوايا/وَإِذا ما جادَ الفُؤادُ/فَبالنَّغْوِ يَجودُ/وَالكَلِمُ يُؤْتَى بِها،/مِنْ بَناتِ الضَّوْءِ المُنْزَلَةِ/في كُتُبِ السَّماءِ المَفْتوحَةِ عَلى الدُّنْيا.

فَيا روحُ اسْتَفيضي/وَيا نَفْسُ أَسْهِبي/وَيا قَلْبُ سَطِّرْ/ وَعَطِّرْ قُلوبَ العَقيقِ/قُلْها قَصيدَةً في كُلِّ سيرَةٍ/شاءَها القَدَرُ في حِماها/شَأْنًا عَريقَ المَعاني/أُريقَتْ عَلى اسْمِها أَفْخَرُ الأنْخابْ.

Top of Form


نَدى نعمه بجاني

كلام الصور

1-بجاني تلقي قصيدتها

2-الأباء المكرمونصورةصورة

كلمة العميد د. جان داود في تكريم خرّيجي الجامعة اللبنانية معهد الفنون دورة خرّيجي العام 1978

بحضور رئيس الجامعة اللبنانية الدكتور عدنان السيد حسين، وعميد معهد الفنون الدكتور جان داود، ونقيب المهندسين خالد شهاب، نقيب المهندسين في طرابلس  ماريوس بعيني، ورئيس رابطة الأساتذة المتفرّغين في الجامعة اللبنانية، ومدراء فروع معهد الفنون، وأعضاء الهيئة الإدارية لخرّيجي معهد الفنون، وممثلي الأساتذة، ورؤساء الأقسام، وأعضاء هيئات الأقسام، وأساتذة من المعهد، كرّمت رابطة خرّيجي معهد الفنون دورة خرّيجي العام 1978 حيث قدّم رئيس الجامعة الدكتور دروعاً تذكارية للمكرّمين تقديراً لعطاءاتهم.

هنا كلمة عميد معهد الفنون الدكتور جانداود في المناسبة:

 

معالي رئيس الجامعة اللبنانية الدكتور عدنان السيد حسين، عندما تكرّم الرابطة خرّيجيها فهي تكرّم رئيسها وإدارتها وأساتذتها. إنّها تكرّم المشروع التربوي الذي تسهرون عليه حتى المواطنة.

ثمارُ المعهد خرّيجوه. غاية  المعهد خرّيجه. صورة  المعهد خرّيجه.

عمارة ً، مسرحاً، لوحة  وتشكيلاً، تزييناً، مشهداً، فيلماً، إعلاناً وتواصلاً، خرّيج المعهد هو الغاية. هو الغاية لأنّه صانع الوطن. هو الغاية لأنه الثورةُ البيضاء مبدعاً، هو الغاية لأنّ به النهوض بالذات والآخر. هو الغاية لأنّه تفوّق الذات على ذاتها عِلماً، إبداعاً، قيَماً جماليّة، مناقبيّة، استشرافاً لمستقبل وصنعاً له.

الخرّيج هو الغاية. ونريد خرّيجينا باستمرار متميّزين، نريدهم إرادة، نريدهم مسكونين بهاجس الإبداع والتفوّق وبروح الفنّان الباحث. من هُنا أهمّية عملنا اليوم وسهرنا على المعهد بعناية وجـِـدّ لإخراجه من كبوة المناهج، ولتطوير نظامه التربوي.

نعم ، يتفوّق خرّيجونا وطلابنا ويفوزون بالجوائز وآخرها جائزة الجادرجي للعمارة: فازت بالمركز الأول الخرّيجة جوستين عيد حرب من معهد الفنون الجميلة الفرع الثاني، وفاز بالمركز الثاني الخرّيج علي مصطفى شاهين من الفرع الأول. (أُذكِّر للمنافسة القادمة بأنّه ما زال هناك جائزة ثالثة – المركز الثالث – نريدها أيضاً بالإضافة إلى المركزين الأول والثاني).

الجوائز التي حصدها طلابنا في فنون الإعلان والتواصل البصري أو الفنون التشكيليّة بالعشرات، ومنها جوائز دوليّة (كوريا الجنوبيّة)، ومنها المحليّة. أكثر من مرّة انتزع خرّيجو اختصاص المسرح كما السينما جوائز مهرجانات الأفلام القصيرة وآخرها لهذا العام جائزة مهرجان الفيلم الأوروبي (فاز بها فادي قازان من الفرع الثاني). انتزع طلاب المسرح والسينما جوائزهم في أكثر من مهرجان وهُم طلاب إجازة ينافسون طلاباً في الماستر من جامعات أُخرى محلّية وعالمية. أكثرمن أستاذ في المعهد حصد جوائز عربيّة ودوليّة ومنهم بهيج حجيج وجوليا قصار وغيرهما، وهُم من خريجي قسم المسرح في المعهد أيضا قبل أن يكونوا أساتذة فيه.

الجوائز ليست بهدف ولكنّها علامة ومناسبة للثناء على جهود الأساتذة الذين يقفون خلف هذه الإنجازات. وهنا مناسبة للكلام على أهمّية مباريات الدخول والسّهر عليها وتطوير آلياتها شكلاً ومضموناً، وهي أيضاً مناسبة للثناء على جهود من يسهر على إجراء مباريات الدخول بشفافية ومسؤوليّة حيث ننتهي إلى اختيار النخبة من تلامذة الوطن. اختيارنا للنخبة يضعنا أمام مسؤولية مضاعفة وأمام رهان تربوي حقيقيّ وتحدٍّ: أن تستمرّ النخبة نخبة وألا تقتصر النخبة على بعض المتفوّقين. من هُنا ضرورة أن ننتهي بفلسفتنا ومساراتنا وعملانيتنا إلى تربية إبداعية، تربية لمبدعين أحرار. وهذا يفرض علينا انتصاراً على الذات في كل مرّة: انتصاراً على الأنانية، انتصاراً على الإحباط، انتصاراً على التشاوف، انتصاراً على من يجرّ المعهد إلى مصالح ضيّقة،  وسعياً إلى أن يكون كلّ طالب متفوّقاً  ومبدعاً، متفوّقاً على ذاته باستمرار، ومنتمٍ إلى المشروع الإنساني البَنّاء.

نجاحاتنا تدعونا إلى مزيد من التواضع، إلى مزيد من الجهود. أمامنا الكثير من العمل، أعرف ذلك، وأدركت ذلك باستمرار.

ونجاحاتنا حافز جديد على مزيد من الاهتمام ببيتنا الداخلي. لذا وضعتُ في أولويّة اهتماماتي إعادة ترتيب البيت الداخلي : على مستوى الأساتذة بشكل رئيس. أهتمّ للمناهج وتطويرها  بدون شك، وأتابعها بشكل حثيث مع زملاء أعتزّ بهم. ولكنْ، كانت ما كانت المناهج تبقى العبرة في  التطبيق وفي كفاءة المربّي ومنهجيّته ومنهجه وأسلوبه ومهاراته. وتطوير هذه المهارات هو عمل مستمر. من هُنا دورنا في العمادة في تأمين الفرص لهذا التطوير أو التكوين المستمرّ بشراكة بين المؤسّسة والأستاذ نفسه.

 

و هُنا دور أساسي لنا كخرّيحين (وأكثر الأساتذة بمن فيهم العميد والمديرين وأكثر رؤساء الأقسام في المعهد اليوم من الخرّيجين) في مهمّة أساسيّة: كيف نحمي مستقبل المعهد ونتعاون لنأتي بفَعَلة ماهرين تربويّين أكاديميّين ومبدعين في آن. كيف نأتي إلى إدارة المعهد وعمادته بأهل الاختصاص فيه. إنّ معهد الفنون الجميلة أيام نقولا النمار وسناء عبد الصمد ونظامٍ تقرّرت تسميته بنظام قديم، معهدٌ آخر على مستوى التخطّيط، وعلى مستوى الحياة الأكاديمية، وعلى مستوى خرّيجين ملأوا الدنيا نجاحات ويسيرون بحقّ مرفوعي الرأس. هذه التحية للعميدين لا تعني انتقاصاً من جهود مُلفتة بذلها عمداء آخرون ممّن أتوا من خارج اختصاصات المعهد الأساسيّة، فنقدّر مثلاً الجهود المبذولة من العميد هاشم الأيوبي (وهو ابن الفنون كشاعر) الذي قام بإنجازات على مستوى المناهج. بات في المعهد برامج تخصّص عليا: الترميم (مع مديرته الناشطة الأكاديميّة الدكتورة راوية المجذوب)، التنظيم المديني (مع الدكتور مصباح رجب)، والسينوغرافيا (مع الدكتور على المسمار وبالتالي مع الدكتور وليد دكروب)، وتصميم المشهد (مع الدكتورة كريستيان صفير)، ناهيك عن ماستر بحثي في العمارة يسمح بالتوجّه لمتابعة الدكتوراه تُعنى به بمتابعة حثيثة وفاعلة الدكتورة ندى شباط، وماستر بحثي في اختصاص الفن وعلوم الفن (أُعنى به بنفسي إلى جانب اهتمامي بالعمادة). ولا بدّ لي هنا من لفتٍ إلى أنّ الدكتوراه، ليست ترفاً ولا بحثاً عن لقب أو عن جواز سفر إلى التعليم العالي. إنها مسار بحثي تكويني على مستوى الشخصية الأكاديمية. إنها ضرورة على مستوى البحث وتطوير البحث. الإبداع مرهون بالبحث، والتربية كذلك، لهذا كان الماستر البحثي في الفن وعلوم الفن.

أن نحمي المعهد يعني أن ننجح في إبعاده عن سياسة المصالح فنحتكم إلى سياسة واحدة: المصلحة العليا للخرّيجين، فنأتي بقيّمين عليه ليس فقط من أهل الاختصاص إنّما من أهل الكفاءة وعلى أساس المفاضلة بين الملفّات. إنْ على مستوى العمادة أو على مستوى تعيين أو تكليف مدراء، ونحن على أبواب دورة جديدة لتكليف أو تعيين مدراء جدد نريدهم مُجدّدين. وأصحاب مشروع تربويّ… التحدّي أمامهم كبير لأن بين المدراء الحاليين والسابقين من رفع سقف الأداء وهنا لا بدّ لي من تحيّة لمديري الفروع (مي كرامة ، أكرم قانصوه، أنطوان شربل، علي العلي) لتعاونهم ومتابعاتهم ولا بدّ من لفت تهنئة خاصة لمدير الفرع الثالث الأستاذ علي العلي لما بذله لتحقيق الانتقال بالمعهد من فوّهة الأحداث في القبّة إلى فضاء ومناخ تنفّس معه الأساتذة والطلاب والحياة الأكاديمية هواء نظيفاً.

أنْ نحمي المعهد يعني أن نُعنى بالأساتذة والكفاءآت منهم فنحتفظ ببعضهم ممّن بلغوا سن التقاعد للضرورة الأكاديميّة وليكونوا خميرة للأساتذة الشباب يتداولون الهمّ المعرفي والخبرة. من هذا المنطلق وإفساحاً في المجال أمام الأساتذة الشباب لتعزيز تحصيل علمي عالٍ، عملنا على فتح سنة تخصّصية عليا تتيح لهم حيازة ماستر في الفن وعلوم الفن بما يعزّز علاقتهم بالبحث العلمي، ويفتح الأفق البحثية ويسمح لهم بمتابعة الدكتوراه. وقد تسجّل أكثر من عشرين أستاذاً لمتابعة هذا الماستر ممّا يعكس اهتماماً علمياً نعوّل عليه لدى الأساتذة الشباب.

كما أنّنا نعدّ لفتح ماستر متخصّص في النقد الفنّي من منطلق حاجة الوطن إلى ناقد ومنشّط وخبير في الفنون (وهذا الماستر سيكون مفتوحاً لكل اختصاصات المعهد: المسرح، السينما، الفنون الإعلانية والتواصل البصري، الفنون التشكيلية، الهندسة الداخلية والعمارة). فنحن بحاجة إلى ناقدٍ وعين ساهرة متخصّصة ترفع الصوت حيث يجب وتصحِّح حيث يجب، وتكرّس حضورنا وتراثنا ورؤانا ودورنا على الساحة العالميّة.

أعددت لصيف نبذر فيه لنحصد أعواماً مثمرة : فلدينا هذا الصيف مجموعة من الورش للأساتذة تتوخى:

تقييم تجربة المناهج، وتطويرها (حيث تبيّن أنّ هناك حاجة ماسّة إلى إعادة نظر خاصّة في اختصاصي السينما والمسرححيث كانت الدراسة في أيام تخرَّج فيها الزملاء المكرّمون الليلة (نجاة طويل، شربل طياح، جورج دياب) لمدة أربع سنوات، يُتابع فيها الطالب ما يفوق التسعماية ساعة من التدريب على التمثيل فقط في حين، باتت الدراسة اليوم ثلاث سنوات منها سنة جذع مشترك (يتابع فيه الطالب أربع ساعات تمثيل في الأسبوع) ويتابع الطالب فقط أربعماية وخمسون ساعة في مجمل سنوات تخصصه أي نصف عدد ساعات الدراسة في المنهج القديم).

نتوخى من ورشة صيف 2014:

  1. وضع خطط عمل تربوية تتّسم مع رؤية وفلسفة النظام الجديد،
  2. إنجاز كامل لتوصيف المواد،
  3. الانخراط في ورش علميّة حول أسس التقييم ووضع أسئلة الامتحانات في نظام تربوي يُخرِج من التلقينية،
  4. وضع دينامية جديدة لإدارة الصف، ولمتابعة تدريب  الطلاب (ستاج) وفق أُسس ومنهجية عمل جديدة……
  5.  تطوير النظام الداخلي للمعهد،
  6. وضع معايير علمية لتقييم الممارسة المهنية،
  7. تفعيل البحث العلمي في المعهد،

…..

ناهيك عن تركيز خاص على تطوير علاقة المعهد بالمجتمع المدني وهيئاته. وهذه مسألة تحتاج إلى تضافرنا : المعهد والخرّيجون، ومعنا في هذا الصدد الدعم الكامل من رئيس الجامعة. (كما أنّني قد أجريت سلسلة اتصالات لمجموعة مشاريع تعاون مع مؤسسات كبرى في مختلف اختصاصات المعهد).

لقد أنجزت وأستمر في العمل على لقاءات أكاديمية تفاعلية بين الأساتذة من مختلف الفروع لوضع ومناقشة خطط عمل والتداول بينهم في الشأن الأكاديمي.

كما أنجزنا ثبتاً مرجعياً بأساتذة المعهد واختصاص كل منهم بما يسهل للطالب مهمة اختيار أستاذه المشرف أو الأستاذ الذي سيتوجه إليه في استشارات معيّنة.

وبدأنا العمل  على إنجاز “ويب سايت” يسمح بحضور للمعهد يلبي علاقة الخارج والداخل به، وقد بات المشروع بحكم المسوّدة المكتملة.

وأتمنّى بشكل رئيس لمشروع عنوانه: “كل أستاذ باحث” توخّياً في خطة عملي لإنجاز المشروع الغاية “كلّ طالب باحث” بما ينسجم مع فلسفة الأنظمة التربويّة الحديثة”. وفي هذا الإطار بدأتُ سلسلة لقاءات ومحاضرات وورش عمل مع الأساتذة تحت عنوان “أسس تقييم البحث العلمي”، وأقمنا بالتالي عقوداً لسلسلة من المحاضرات والندوات مع اختصاصيّين وأعلام متميّزين، كما وضعنا بين أيدي الأساتذة أُسساً وملفّات لإقامة بحوث علمية مدعومة أو مموّلة من الجامعة، وأنجزنا خلال الأشهر الثلاث المنصرمة ما يسمح للأساتذة بالتواصل العلمي مع المكتبات الإلكترونية الدولية (حيث بات في تصرف الاستاذ وبدون أية تكلفة مئات آلاف الكتب في شتى الاختصاصات العلمية والفنية والأدبية (الجامعة اللبنانية تسدد اشتراكات سنوية بهذا الشأن)).

في إطار تعزيز التواصل التربوي على مستوياته المختلفة، بدأنا سلسلة لقاءات مع الطلاب من الاختصاصات المختلفة (مسرح وسينما وتلفزيون، عمارة،…)؛ بالإضافة الى سلسلة لقاءات مع هيئات الأقسام في الفروع الأربعة للمعهد، تناولت القانون 66، ودورالأقسام وهيئة القسم ورئيس القسم، وتعزيز روح البحث، وفلسفة النظام التربوي الجديد، وديناميّة الصف الملائمة، والمقاربة التربوية عامّة، وأسس التقييم التربوي، والتكامل بين المواد المختلفة، والتنسيق التربوي الأفقي والعمودي في الاختصاص، والتكامل بين الأساتذة والإدارة، والتنسيق لجهة المشاريع وتعزيز روح التعلّم الذاتي وتأمين مناخ تربوي ملائم لعملية تربوية ناضجة تؤسس لفكرة الطالب الباحث… وهذه اللقاءات حملت تباشير واعدة، وأعادت روح الثقة بين الطالب والمؤسسة بأساتذتها، إدارتها وعميدها…

 

مسألة أخيرة: لفتني خلال حياتي الجامعية كأستاذ في كلية الآداب والعلوم الإنسانية وكلية التربية ومعهد الفنون الجميلة، ورئاسة قسم المسرح والسينما لعشر سنوات، وخلال عملي كرئيس لمركز الامتحانات في معهد الفنون الجميلة، نوع من العلاقة بين الطالب والجامعة، وبين الطالب والمعهد، وأحياناً بين بعض الأساتذة والمعهد، كما بين بعض الموظفين والمعهد. إنّ العلاقة مع المؤسّسة في كثير من الحالات علاقة نفعيّة، فكان في خطتي وعملي، ومن أجل الخرّيج والطالب والجامعة ومن أجل صورة المعهد والجامعة، عنوان أساسي: العمل على التأسيس لروح الانتماء إلى المعهد وتعزيزه، وبالتالي الانتماء إلى مشروع حضاري نجعل المعهد جزءاً منه. من هنا بدأت سلسلة لقاءات بالطلاب والأساتذة ومن هُنا كان طلبنا إلى المدراء إنجاح خطة ساهمت فيها الإدارة وممثلو الأساتذة وبعض الأساتذة، فكانت ويجب أن تستمر سلسلة نشاطات رياضية (كان أحدها تحت عنوان “الرياضة ضد التدخين”)، ومحاضرات، ولقاءات تفاعلية فنية بين طلاب الفروع: “يوم مسرحي بين الفنون” حيث ذهبنا مع طلاب الفرعين الأول والثاني في اختصاص المسرح وأقمنا باستضافة مدير الفرع الثالث في راسمسقا الكورة، يوماً مسرحياً التقى فيه طلاب الاختصاص من الفرعين، وحملوا إلى الفرع لثالث ابتسامة ونشاطاً وتفاعلاً مع المسرح ونقاشاً. وهذا اليوم سيكون له مثيله في الفرع الرابع في الخريف المقبل.

إنّ الاهتمام لم ولن يقتصر على ورش البناء الأكاديمية، فقد بادرنا إلى مشروع فضاءات جديدة للمعهد على مستوى الأبنية وسنعلن عن ذلك فور توقيع اتفاقات بشأنه. كما أنني قد باشرت اتصالات مع أكثرمن مؤسسة إعلامية لتكون استوديوهات تلك المؤسسات مختبرات تدريب لطلابنا في اختصاصات المسرح والسينما والتلفزيون. وأفضّل بالنسبة لمجموعة مشاريع أن أبقى في نمطي أنجز ثمّ أعلن.

يبقى هَمّ أساسي وعنوان لعملي: معهد الفنون الجميلة قلب نابض للمجتمع المدني، وحال إبداع من أجل وطنٍ للجميل، وطنٍ للحياة. الحياة بدون تلك اللمسة التي نحملها أو التي نضعها في الفنون وبالفنون رتيبة ومملّة. الميثاق الوطني يبدأ بفلسفة الجميل، ومعهد الفنون الجميلة مدعوّ إلى النجاح حيث تعثـّر من تعثـّر..

إنّ ما نقوم به على مستوى البيت الداخلي، يحتاج بالمقابل لتأمين مناخ نفسي للأساتذة المتعاقدين يشعرون معه بالأمن الاجتماعي، وهذا واجب الدولة تجاههم. فالجامعة اللبنانيّة بحاجة إلى أساتذة متفرّغين. ليس فقط لأنّ القوانين تقول بضرورة أن يكون أكثر من 75 بالماية من أساتذتها متفرّغين (وحال الجامعة اليوم غير ذلك، المتفرغون لا يتجاوزون الخمسة والعشرين بالماية)، إنّما لأنّ التفرّغ ضرورة للأساتذة الذين استوفوا الشروط لتأمين تفرّغ نفسي وحال انتماء إلى الجامعة ولتوفير طاقتهم للجامعة اللبنانية عوضاً عن الانتقال بين جامعة وأخرى لضرورات معيشيّة. من هنا أولويّة ملف تفريغ الأساتذة الذين استوفوا الشروط. ومن هنا واجب علينا أن نضمن حقّهم بالتفرّّغ بشكل عملاني فأتمنّى أن يُصدر رئيس الجامعة قراراً مُعلّلاً يعتبر من استوفى الشروط متفرّغاً، وتوزّع عليه النصابات الأكاديمية على هذا الأساس بدءاً من الأول من تشرين الأول 2014. وأعتقد أنّ معالي وزير التربية بالجرأة الكافية وحسّ العدالة الكافي ليُقدم على المضيّ بهذه الخطوة. كما نرى الوزير الياس بوصعب يُشكّل فرصة عدالة اضافية وتحفيز إضافي عبر تحويل عقود المصالحة إلى عقود تسمح بأن يتقاضى المتعاقدون أجورهم بشكل شهري ممّا ينصفهم فلا ينتظرون سنتين ليتقاضوا أجورهم. والجامعة اليوم تتوقّع من الوزير بو صعب بخلفيته الأكاديمية والمناقبيّة وحرصه على جامعة الوطن، أن يقدّم لها ولمعهد الفنون الجميلة بالتحديد في التعيينات القادمة  صاحب اختصاص ومشروع تربوي يرتقي بالمعهد إلى ما هو منشود منه ومن الفنون على مستوى الدور الوطني والرسولي.

لمناسبة كريمة مثل التي دعت إليها رابطة الخرّيجين ما كنت لأطيل، ولكنّ بعض ما استعرضت يطمئنكم على أنّ المعهد في عهدة خريج ضنين به. وأؤكد هنا ضرورة تكوين عُصبة تدعم المعهد في مشروع قيام الوطن والانتماء إليه.

معالي الرئيس، رئيس وأعضاء الهيئة الإدارية لرابطة خرّيجي معهد الفنون،

قبل أن تكون الثورة، المبدع ثائر.

وقبل أو عند إنجازٍ ما يستكين غضب الشعب. وتستمر الثورة والنهوض فقط في عروق المبدعين.

المبدع ضمير الشعب والأمم.

المبدع ضميرالإنسان والإنسانية.

المبدع صوت الوجع الفائت، والكامن، والعائد احتمالاً إنْ لا يستمر الوعي ثوريّاً، صوفيّاً.

شكراً لكم (رابطة الخريجين)، تكرّمون الوطن في تكريمكم لمبدعين وبنّائين من خرّيجي دورة 1978.

تحية لكم مبدعين.

 

أ‌.       د. جان داود

عميد معهد الفنون الجميلة  منذ كانون الثاني 2014

دكتور في الدراسات السينمائيّة والمسرحيّة جامعة باريس الثامنة

باحث، دراماتورج، مُعِدّ مُمَثِّل، مؤسّس مختبر الدراماتورجيا، التمثيل والنصوص

خبير ومدرب في مجال التواصل ، التربية الإبداعية،  والعلاج بواسطة اللعب وفنون العرض

أستاذ الدراماتورجيا والإخراج (معهد الفنون الجميلة-2) ومادّة السينما (كلية الآداب والعلوم الانسانية-2)

أستاذ مادّة العلاج بالفن في قسم علم النفس في الجامعة اللبنانية

مستشار في مجالات المسرح والسينما والتلفيزيون (دراماتورجيا، كتابة وإخراج)

أمين عام مؤتمر بيروت للمسرح

هاتف : 961 3 303536

بريد الكتروني: jeandaoud@yahoo.com

موقع الكتروني: www.abhas.netصورةصورة

الفِلذُ الغوالي

 

فردريك نجيم

*الى راغدة…

هذه البقايا من زمنها الطيِّب هي الفلذُ الغوالي التي تقيمُ في الذهن والخَلَدِ وجوارِ القلب ويرجى أن لا يكون لها آخر. شأنها شأنُ الكأس التي لا تُفرّغ الا لتُصبَّر وما أسعد الفم وهو يقبل على ما يُعاد من نعمتها، لأنَّ في هذه الإعادة إجادة. أليس تزوُّراً أن يقال عن الأشياء الحبيبة أنها ستزول، وكلُّ مشهوٍّ فيها سيبقى مجلواً. خابت نساجة الغبار فهي لغير محياها المشرق. أيٌّ أعرَضُ من صِغَر الصدر وهو متسَع تلك الفِلذ الغوالي، وأيُّ أفوهٍ من الصمت وهو متضمّنُها الذي لا ينفّد لما فيه. إنها تتأرَّجُ وتتموّج ثم تترقّص وتكونُ الغيبوبةُ التي تُخجل الصحوَ أبدَ الآبدين وهي في الوجدان ما يعايش التأمل وحده ، بعدما ذهب أملها ذهاباً آخر. كلما يرافق الذكر يلونها، فهي صهبٌ وشقرٌ وبيضٌ وزرقٌ وحمرٌ . وهي ذات ألوانٍ غير مدرية، ولكنَّ بينها وبين الحسّ النسبَ الذي يندرُ لصوقه. حسبها من عزِّ النَدَرَى أنها مجهولة، فربَّ جهالةٍ كانت للمعرفة محسدةً. إنما فتحُ العينين في متعة التصوّر مثلُ إغماضهما ، لا رؤيةَ بل مشابه الرؤيا، ظهورٌ معبورٌ وإذا هي في البال ماءٌ زُلالٌ أو نارٌ مُلَسَّنَةٌ وهي في ألوانها كطعمٍ وما أطيبَ ما يُذاقُ منها حديثها يحملُ عهداً كأنه يحملُ الدنيا ، إستعادةٌ واستزادةٌ وترقّبٌ يسوقه الطمع الحلو الى ما تُساقُ معه اللذائذ التي تقيمُ في الصميم إقامةَ الوصال الذي لا يبارح .

أوشَكَت ذكراها أن يُختمَ عليها كلما أرادت الرئتان أن تذهبا في أطولِ شَميمى ولا شيء أقدرُ من تحريك الليل الساهر من هبوب أنفاسها عليه. إنها تتمندلُ بالسحر ثمَّ تتدلّلُ وتجوِّلُ في مكامن الحنين وتُذيبُ يقظاته وتطيب، وتسكبُ في أعتقِ دنٍّ وأضْوَعِ حُقٍّ ولكن متى كان الدنُّ والحُقُّ أحب من مطاوي الضلوع؟ لأجلها ستبقى الأيام  المنضورة والليالي المُنضِّرة.

صورة

غَـبْـرا

 

إيلون هليّل

 

 

 

بشبَه المَسافي وفي عْلَيا دَعسات:

 

هَوني باقي صوت، وهَوني في دَقّات

 

قَلبي.

 

وهَوني مَرا مَرقت

 

وتَركت

 

نِتفي من إنوستا.

 

خْيالي الأسوَد يغطّيني.

 

ومتل مَ خيطان المَيّ مَوْصولي سَوا بْ كلّ الشتي،

 

أنا مْرَبَّط بْ أنا.

 

وأبعَد مَ الهَوا بيوصَل،

 

خدوني

 

ونْسوني مع شَجَر الريح.

 

وبسّ النَحل يوزّ جوّات القَفير

 

تزكّروني منيح.

 

ومع النَمل السارح وعَم يزءّ الصَيف

 

باقي بْ غَبرة المَطارح:

 

وجّي

 

تْنَفَّضوني … بْطير.

 

 

صورة

ديوان أهل القلم يكرّم بديع أبو جودة “الرائد البيئي الأول في لبنان والعالم”

ديوان أهل القلم يكرّم بديع أبو جودة

“الرائد البيئي الأول في لبنان والعالم”

 

برعاية وزير البيئة محمد المشنوق، وحضور حشد كبير من الشخصيات الرسمية والإجتماعية، أقام ديوان أهل القلم مهرجانا تكريميا لمناسبة يوم البيئة العالمي لـ “رائد البيئة الأول في لبنان والعالم” الدكتور بديع أبو جودة في جامعة الحكمة في فرن الشباك. وقد توّج المهرجان بتحية من البطريريك مار بشاره بطرس الراعي، ألقاها ممثله الأب عبدالله كس، حيا فيها ديوان أهل القلم والمحتفى به وكل من يهتم بالبيئة في لبنان .

بداية النشيد الوطني، ثم كلمة عريف الاحتفال الأستاذ عماد شرارة، الذي قال: اليوم لا نكرم رجلا كبقية الرجال بل نكرم بحق طبيب الناس والورود والينابيع والغابات والجبال. نكرم من استلهم فألهم وأعطاه ربه عقلا نيرا وقلبا رحيما وذوقا سليما فكرم هو نفسه الطبيعة بعطاءات الخالق وأهدى إلى الإنسانية كنزا لا يفنى ولا يزول.

ثم تم عرض فيلم وثائقي عن المحتفى به وعن اليوم البيئي الأول الذي دعا إليه د. بديع أبو جودة في العام 1962 في منطقة المتن الشمالي.

المشنوق

وتتالت الكلمات، فكانت بداية لوزير البيئة محمد المشنوق بسبب اضطراره إلى المغادرة بعدما أهدى المحتفى به درع وزارة البيئة، ومما قاله: إذا أردنا أن نعطي هذا العصر سمة مميزة وعلامة فارقة فلا بد لنا من القول إن هذا العصر هو عصر البيئة. يخطئ من يظن إن مجرد وجود وزارة البيئة ضمن هيكلية القطاع العام في دولةما ، يعني بأن بيئتها بألف خير. يسعدنا أن نجتمع اليوم لتكريم ناشط بيئي ورائد طليعي وأن نشيد ونثني على المآثر والانجازات المميزة التي حققها الدكتور بديع أبو جودة في مختلف الحقول البيئية، إن اهتمامكم بإحياء أول يوم بيئي عام 1962 مستبقا بعشر سنوات منظمة الأمم المتحدة هو خير دليل على جهدكم الدؤوب وعطاءاتكم الخيرة ورؤياكم المستقبلية في مجال البيئة والحفاظ عليها. أنهي كلمتي بتوجيه الشكر والتقدير لديوان أهل القلم ورئيسته الدكتورة سلوى الخليل الأمين التي لا تكل ولا تمل لتركيزهم على تسليط الأضواء على المبدعين من أبناء الوطن.

الأمين

أما رئيسة الديوان سلوى الخليل الأمين، فقالت: لو قدر للبنان أن يكون في المقلب الاخر من هذا الكون العظيم، لكان الأول دون منازع بين دول العالم قاطبة، فالوطن مقياسه الإنسان والعقل، واللبناني هو هذا الإنسان المتفاعل دوما مع مدارات العقل التي مكنته عبر العصور من ارتقاء القمم مبدعا ومتفوقا أين ما حل وارتحل. لهذا فإن إيماننا بالعقل اللبناني ما زال قائما لهذا سعينا لرصد الإبداع اللبناني داخل الوطن كما في عالم الانتشار، وقد اتخذنا القرار هذا العام في ديوان أهل القلم، نظرا لصعوبة الوضع الأمني في الوطن، وانسجاما مع مناسبة يوم البيئة العالمي ، تسليط الضوء على الرائد البيئي الأول في لبنان والعالم، الدكتور بديع أبو جودة.

سيف

ثم كانت كلمة رئيسة جمعية إنسان للبيئة والتنمية المهندسة ماري تيريز سيف، التي قالت: أن تأتي المبادرة الأولى في النشاط البيئي من أحد كبار المربين، فذلك هو الدليل على أهمية التربية في تنشئة الأجيال على سلوكيات حامية للبيئة وفي ترسيخ الثقافة والقيم الأخلاقية البناءة التي تتعامل مع البيئة كنطاق حياة مشترك بين جميع المواطنين يحملون بالتساوي مسؤولية حمايته وتنقيته من الشوائب وحمايته من المخاطر القاتلة. يتزامن احتفالنا هذا مع اجتماع العالم أجمع ممثلا بوزراء ومندوبين من 158 دولة في نيروبي في أول اجتماع للجمعية العامة للأمم المتحدة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة. لهذا نتوجه بالشكر لديوان أهل القلم ورئيسته الدكتورة سلوى  الخليل الأمين لدعوتنا للمشاركة في هذا المهرجان البيئي لإيصال صرخة بيئية وللمساهمة في شكر رائد البيئة الأول في لبنان والعالم الدكتور بديع أبو جودة.

حمد

وبعدها كانت كلمة لرئيس بلدية بيروت، الذي يولي اهتماما بالبيئة كونه استاذ جامعي مسؤول عن قسم الهندسة والبيئة في الجامعة الأميركية في بيروت، ومما قاله: نجتمع اليوم في مناسبة اليوم العالمي للبيئة لتكريم رجل معطاء في الجالات كافة، رجل من لبنان عمل بجهد كبير يشهد له الجميع على المحافظة على صورة الوطن لبنان ، لكي تبقى في أجمل حللها البيئية والتربوية والدينية السمحاء والأدبية وفي مجالات كثيرة تشهد على الإصرار في العطاء والثبات في النظرة الإنسانية المرتقبة العالية أنه الدكتور المربي بديع أبو جودة. واليوم إذ نكرمه مع ديوان أهل القلم ورئيسته النشيطة سلوى الخليل الأمين فإننا نكرم كل لبناني سار على نفس النهج.

فرعون

ثم كانت كلمة لوزير السياحة ميشال فرعون ممثلا بمستشاره الإعلامي داني حداد، ومما جاء فيها: الدكتور بديع أبو جودة حمل مشعل البيئة وكان سباقا قبل أن تصبح البيئة محط اهتمام دولي تنظم من أجلها المؤتمرات والقمم وتشرع لها القوانين وقبل أن نسمع جميعا بالسياحة البيئية التي تحظى اليوم باهتمام كبير من وزارة السياحة التي أطلقت أخيرا حملة ” لبنان الحياة”.

أبو جودة

ثم جرى تقديم درع التكريم للمحتفى به من ديوان أهل القلم ، ومن ثم كلمة الشكر من المحتفى به الدكتور بديع أبو جودة، الذي شكر الجميع لاهتمامهم بتكريمه وعبره بتكريم البيئة. ومما قاله: نتتلمذ على امنا الطبيعة السمحاء، فلا عصبية فيها ولاصقل سيوف نزرعها قنابل عظاما وجماجم ونصبغها دما وهي تهدي إلينا وردا وأريجا وأرزا لا ينخره السوس. سنصلي مع الوردة الطفلة: اللهم اجعل ربيعنا سرمديا واحفظ الأشجار الخائفة من الرياح والعواصف العاتية . كوكبنا كما وطننا نراه مع علماء الفضاء من عليائهم: كتلة واحدة موحدة.وطننا نحن مسؤولون عنه كل منا مسؤول عن حريته وعمرانه وسيادته وإعلاء المداميك.

وانتهى الاحتفال بغرس شجرة أرز في حديقة جامعة الحكمة بحضور الجميع.

كلام الصور

1-أبو جودة يتسلم درع وزارة البيئة من الوزير محمد المشنوق، بحضور د. سلوى الخليل الأمين

2-د. عماد الأمين يقدّم للمحتفى به درع ديوان أهل القلم

3-غرس الأرزة في  حديقة جامعة الحكمة

 

 صورةصورةصورة

حينَ اعتكفتُ الكلام

لميا أ. و. الدويهي

قد اعتكفتُ الكلام

وإذ بي، بدون انتباه،

أعتكفُ الحياة…

خِفتُ أن يَغدوَ الكلام

مُجرَّد أحكام

أُطلقُ لها العنان

وبدل أن أُساهمَ في بناءِ الإنسان

أُصبحُ له كالجلاَّد…

لا وألف لا

فأنا لم أُعطَ الكلمة

لمُجرَّدِ التَّجربة

وإنَّما لأُنادي للحقّ

وأدلَّ النَّاس

على مَن يَسكنُ الناس

علَّهم يَنفضونَ غُبار

علِقَ بالأذهان

شوَّشَ الأفكار

أساءَ لجَوهرٍ جُعِلَ بالأصل،

للخلاص…

                                                                             

                                                                             صورة

“الفيس بوك” المنتدى الثقافي-الاجتماعي الأكبر

د. ناتالي الخوري غريب

أصبح “الفيس بوك”  واقعًا حتميًّا، أخرج الكثيرين من عزلتهم الاجتماعيّة، ضمن محاولات تقريب النفوس من بعضها وتسوية التعقيدات العلائقيّة لأنّه ربّما سهّل الشروط التفاعليّة بين الناس، على قاعدة إمكانيّة الهروب وسهولته، أو على قاعدة أنّ الكلمة الجميلة الراقية مفتاح القلوب. من هنا، لم يوفّق كثيرًا من أطلق على عالم التواصل الاجتماعي صفة “العالم الافتراضي”، لأنّه بين المزح والجدّ، أصبح الافتراضي هو العالم الواقعي وهذا الأخير في غيبوبة إدمان.

إذا صحّت تسمية “الفيس بوك” وأخواته وإخوانه عالمًا افتراضيًا، ما تراه يكون العالم الواقعي؟ إذا كانت صداقاتنا وأراؤنا وأعمالنا وحياتنا وصورنا وأشكالنا تحيا في هذا العالم؟ إذا كنا في داخل هذا الواقع نقرأ ونكتب ونشارك ونتشارك ونحاور ونتحاور مهملين متجاهلين من حولنا على أرض الواقع، أو قل هم أصلًا في داخله، وكلّ منا يحمل هذا العالم في هاتفه أو حاسوبه  ويعيش فيه. أمّا الحوار على أرض الواقع فيكون على هذا العالم الذي يسمونه افتراضيًّا، وفيه الواجبات، تعزية وتهنئة، تردّ زيارة اللايك بزيارة لايكيّة، واحتفاليّة الكومنت المدّاح بشكر مدّاح، وأهون الردود على الشتّام زر إقصائي إلغائي، تماما كما في الحياة التي تسمى بالتقليدية، في كلّ المجالات منها، وفيه الصبحيّة على فنجان قهوة، وفيه الأصدقاء مجموعات(غروبات) والمنتديات، وفيه الصور الفوتوغرافية عن الطبيعة وجنونها وجمالاتها، عن السياسة ورجالاتها، عن الحروب وعبثيّتها، عن حالات إنسانية، تفرح لأفراحهم وتحزن لأحزانهم وتسرّ بتخرّجهم وتنتظر تحقيق طموحاتهم، حتّى إنّ بعض الوجوه تفتقد إلى رؤيتها حين تطيل الغياب… وفيه تبادل الآراء، أو المرح وتبادل النكات، والبحث عن المفقودين من الأصدقاء والأقارب، الذين نتجسّس على أخبارهم إمّا حبّا أو حشرية، ويصبحون هم أبطال واقعنا عنهم نتحدّث في مجالسنا ويأخذون حيّزًا كبيرا من اتصالاتنا وأحاديثنا وعواطفنا ومشاعرنا.

لا شكّ أيضًا في أنّ “الفيس بوك” تحوّل إلى أداة تثقيفيّة كبرى، وكأنّي به أصبح منتدى ثقافيًّا كبيرًا يوفّر عليك الذهاب والإياب ولعنة الطرقات، وبخاصّة إذا كان أصدقاؤك من القرّاء أو الكتّاب الذين ينتقون مقالات تعنى بالفكر أو النقد أو السياسة أو السياحة،  فيصبح بذلك “الفيس بوك” دليلًا انتقائيًّا شاملًا لأنواع الفكر المختلفة، يثقّفك ويجعلك مطّلعا على آخر المستجدّات والإصدارات وما كُتب فيها، على آخر المدوّنات والندوات، كلمات المنتدين ومن حضر ومن تغيّب، ويكون بذلك قد تجاوز عوائق الجغرافيا والمسافات وانتصر على ضرورة الحصول على تأشيرات. ولا شكّ في أنّه بات الصالون الأدبي الأبرز، والوسيلة الإعلاميّة-الإعلانيّة الأكثر قراءة وانتشارًا.  فجميع الشعراء والروائيين والفنّانين المحترفين أو المواهب الشابّة، في صالون واحد، الكلّ يكتب ويرسم، الكلّ ينشر، الكلّ يقرأ، الكلّ يمارس النقد، وهذا أمر مهمّ يسهم في تعرّف الناس جميعًا إلى نتاجهم مع تكافؤ الفرص في التأثّر والتأثير والتعلّم. وطبعا عدد اللايكات لا يحدّد بالضرورة أهميّة الكاتب، كما أنّ عدد الحضور في ندوة ما لا تحدّد قيمة الكتاب. فالواجبات هي هي.

لقد أصبحت صفحاتنا مرآة لواقعنا، وأقوالنا حُكْمًا انعكاسًا لأحوالنا، فيشكّل الفيس بوك مرآة المرء في حياته اليوميّة وكيفيّة معاملاته ولياقاته وصداقاته، فسريع البديهة وصاحب النكتة الظريفة هو هو، والصادق لا يمكن أن يبطن عكس ما يظهر، لأن الفيس بوك فضّاح نفسيات وخبايا وخفايا، كذلك هناك الذي يحبّ أن يعجب الناس بكلّ ما يقول، ويعتبر نفسه أكبر من أن يضغط على زرّ الإعجاب بأحد ظنّا منه أن “لايكته” شهادة عظيمة يخشى عليها الهدر.

أيضًا وأيضًا، تجد من يقضي معك ساعات وسهرات، ولا يريد منك أن تعرض صورته معك أو مع بعض الحاضرين، لأنّه ربّما يخشى  أن ينتقص من قيمته ظهوره في صورة برفقة الحاضرين، وتراه لا يكلّف نفسه عناء كتابة تعليق، فيستسهل الاتصال على أن يكّلف نفسه عناء لايك، لأنّه يظنّ أنّ هذا ينتقص من سمّو مكانه.

أمّا المحبّون، فتراهم هم هم، في الحياة وعلى الفيس بوك، والمبغضون هم هم، والحشريون هم هم، وقس على ذلك صورة المدّعين والمتفاخرين والمتواضعين.

   لا يمكننا أن ننكر أيضًا أنّه بات الوسيلة الإعلاميّة الأكثر فعاليّة، فدوره في الثورات العربيّة لا يمكن أن يغضّ الطرف عنه، ودروه في الحملات الاتهاميّة أو الدفاعيّة لا يغيب، كذلك يعدّ وسيلة الترف الأكثر تسلية، ووسيلة التثقيف الأكثر سرعة، ووسيلة الاتصال والتواصل الأكثر اجتماعية، فمن كان يعيش وحيدًا بات يشعر أنّه محاط بالأصدقاء الذي يسألون عنه، ومن كانت تحوجه العاطفة بات يجدها عند أشخاص ما يحوطونه، لم يكن الوصول إليهم أمرًا متوقّعًا.

هكذا، أصبح الفيس بوك مائدة كبيرة يحلّق حولها الكبار والصغار ومَنْ بينهما، فيها الصلاة والدعاء وفيها الراحة والغذاء غثّه والسمين في مختلف الميادين، وما عاد عيبًا أو سوءًا الإدمان عليه، المهمّ أن يعرف المرء كيف يفيد نفسه ويتثقّف ويقرأ ويستمتع مع الذين يقضي معهم ساعاته، ويشاركهم أفكارهم ويشاركونه تطلّعاته، نقاشًا وتحليلًا وقراءة.

 صورة

قراءة معمقة حول الناقد جان نعوم طنوس وأعماله الأدبية

انطوان ابو رحلصورةصورةصورةصورة

إكتسبت عملية النقد في العصر الحديث قوة تأثير حقيقية في تطور الفن الادبي والروائي. وكان المحرك الاساسي لهذا النوع من النقد هو الشك في الحقائق الذي يعكس في الوقت ذاته معرفة أخرى، شرط أن يكون النقد علمياً وداخلياً ويهتم بالمضمون. هذه الأسس تجدها واضحة لدى الناقد الدكتور جان نعوم طنوس الذي له دراسات نقدية عميقة، وله تحت الطبع أيضا: “سعيد عقل على سرير فرويد” . “التحليل النفسي لحكايات الأطفال الشعبية”، “ملامح الموت والحياة في شخصية الشابي وشعره”، ولطنوس عدد من القصص والروايات الادبية والتربوية مما جعل منه ناقداً في ثوب أديب وأديباً في ثوب ناقد. ومن يتعمق في دراساته ومؤلفاته يعرف جيداً أن فكرة النقد لديه أخذت معنى “الجدال العقلي”، اي النشاط المتميز للعقل باعتباره أداة تحكيم عقلانية هدفها ايقاظ الوعي الانساني عن طريق القدرة على الرفض ومن ثم الابداع، إذ أن النقد لدى طنوس “فن الحكم” للفصل بين الحقائق ولمعرفة نواحي القوة أو الضعف في الموضوع المطروح للتساؤل شرط الا يكون هجوماً على الشخص أو الموضوع.

النقد الحقيقي، كما مارسه الدكتور طنوس ارتبط بعصر التنوير ومبادئه في التحرر والتقدم والعقلانية، ومن يطلع على كتبه الاربعة وهي: “أساطير الجسد والتمرد” (عن دار الحداثة 1999، يقع في 189 صفحة من القطع الوسط). “قراءة نفسية في أدب أملي نصرالله” (عن دار الكتب الحديثة 2002 يقع في 234 صفحة من القطع الوسط). “سير الادباء – دراسة نفسية اجتماعية “(عن دار المنهل اللبناني عام 2009 يقع في 301 صفحة من القطع الكبير). “المرأة والحرية – دراسات في الرواية العربية النسائية” (عن دار المنهل اللبناني عام 2011 يقع في 423 صفحة من القطع الكبير). وفي هذه الدراسات النقدية يتناول طنوس أسماء لها صيتها وسطوتها في المشهد الأدبي، وباسلوب جريء واقتحامي احياناً، ومتفرد دائماً، لما فيه من صنعة ووضوح وايجاز وتوازن. وكلما توغلت في قراءته اكتشفت أنه ألمعي في ذكائه، نهضوي في عمله، مندفع في عطائه، نابض الحركة في كل مشروعاته الفكرية. وهاج التألق في كل أفكاره الأدبية، عميق النظرة في كل تحليلاته النقدية.

ظاهرة نقدية حديثة

قانون الايمان الجمالي، بالنسبة لطنوس، :” أن تكتب يعني أن تبتكر تأويلات جديدة، فالكاتب ليس موظف أرشيف إنه خلاّقٌ”. يعد اسلوب طنوس، المبني على مرتكزات نفسية للنقد، والذي يقدم بنية النص الروائي من خلال تداخلات متقاطعة بين الحاضر والماضي، وبين الراوي نفسه والقارئ، ويعيد نقدياً صوغ الواقع، ويأخذ النص إلى خارج أطره الظاهرة وهذه ظاهرة نقدية حديثة وضعت طنوس في أروع تجلياته إذ استطاع أن يؤسس لنفسه منهجاً نقدياً أدبياً من خلال دراساته التطبيقية على كثير من الابداعات الروائية اللبنانية والعربية، التي مكنته من تكوين اسلوب علمي ميّزه.

والمتابع لطنوس بتعمق يعرف ان الرجل أبعد نفسه عن أي محاباة، لكنه ظلّ مسكوناً  بسؤال الما بعد، وهو السؤال الذي زاد شخصياته الروائية التي رصدها وضوحاً في العرض ودفعه الى الغوص في تصوير فكرة اغتراب الانسان عن واقعه ومجتمعه وصراعه الداخلي، وهذا ما برع فيه طنوس في الاضاءة حول نتاج الروائية الطليعية املي نصرالله التي خصها بكتاب نقدي تستحقه، وتناولها في كتبه الاخرى فكان لها منه الحصة الاساس، كنموذج للروائية – المثال.

ومن ابرز مقومات طنوس النقدية انه يتعقب مسار تحرك كائنات الرواية، كل رواية، يتناولها، باضاءة عميقة مع رصد متاهاتها الداخلية، وتصوير عواملها التي تختلط فيها الآمال بالآلام.

ويأخذ البعض على طنوس قساوته في النقد أحياناً،  الا أن جوابه: “من أجل تشخيص دقيق لنظام قمعي  يبغي الناقد كشف مساوئه رجاء أن يولد انسان جديد”.

وينطلق الدكتور طنوس من مقولة: “لقراءة هذا العالم الساحر من دون ان نهتك سحره، بعصبية ما، ثمة ضرورة الى “ذكاء تذوقي” قد يفتقده الكثير من الاذكياء والنقاد. وقبل أن نلج الى اعطاء صورة عن كتبه الاربعة علينا ان نعرف ان طنوس رصد المفاهيم والنظريات والاتجاهات النقدية في مرحلة الحداثة، في محاولة لتوضيح الخلط والالتباس في المصطلحات والمفاهيم: بين النقد والنقد الذاتي، وبين النقد والانتقاد، وبين التحديث والمعاصرة.وطرح كل هذه الافكار للمناقشة لاجل نشر وتداول فكر تنويري يتسلح بأدوات التفكيك والتحليل والنقد والمراجعة والتدقيق وصولاً الى الاحكام وتحريك الذهن ودفعه في مغامرة البحث والتقصي ونقد ما هو غريب ومجهول ومحرم ومخفي وممنوع. وبهذا يكون هدف النقد مع طنوس تحرير الفكر وتحرير العقل من اوهامه التي تكبله، والتخلص من اي سلطة معرفية تعمل على كبح لجام العقل ومحاصرته وتعطيله وجعله عاجزاً عن تحفيز الفكر واثارة التساؤل.

للدخول الى عالم الدكتور جان طنوس الحقيقي علينا ان نلج الى مضامين دراساته التي اصدرها في كتب اربعة وهي:

“أساطير الجسد والتمرد”

الكتاب الأول “أساطير الجسد والتمرد”، يطرح فيه اشكالية العلاقة بين الجسد والروح وكيف ينظر الانسان عامة، والفنان والمفكر خاصةً، الى الجسد الانثوي، عديل الغرائز ورمز الطبيعة الكبير. ويتطرق فيه الى قيمة الثقافة  في العصور الوسطى المسيحية، تمثيلاً لا حصراً وحين غلبّت احد قطبي الثنائية البشرية، أي حين غلّبت العقل والروح على الجسد والغرائز.  ولم يتورع طنوس عن تحليل المقدسات: القديس اوغسطين، ديكارت، شوبنهاور، بول كلوديل، اضافة الى الاساطير وإعادة تقييم الاديان الوثنية وكانت له الجرأة في التطرق الى مفكرين وادباء عرب يعبرون عن منحى ثقافي خاص.

وفي هذا الكتاب مراجعة نقدية لبعض نتاجنا الادبي من منظار جديد، بعيداً عن التوليف الاكاديمي المآلوف. انه ثورة في عالم النقد تمارس فعاليتها بوعي مضاد وتكشف النقاب عن المستور والمحجوب في الشعر والرواية اي ما تغاضى عنه النقاد امداً طويلاً. وينتهي الى القول: “ان هذا الكتاب هو الاول في سلسلة نقدية هدفها اعادة النظر في نتاجنا الادبي بل في الثقافة العربية عامة”.

وهذا الكتاب يحتوي على الموضوعات التالية: 1- نقد: “فارس آغا” رواية المأزم الاوديبية، اي رهاب الاب نقطة مركزية في أدبه. 2- أنسي الحاج في “خواتم 2”. 3- “نظرة جديدة الى مجدلية سعيد عقل”: اي يسوع والمجدلية زفاف العقل والغريزة، ومغزى القصيدة أنها تفصح لا عن علاقة المسيح بالمجدلية بل عن علاقة الشاعر بالمرأة المثالية. 4- نظرة جديدة في ادب انطوان سعادة. 5- مذكرات الارقش لميخائيل نعيمة: “العقل يذبح الغريزة”. 6- 100عام على ولادة توفيق حكيم : قراءة جديدة في مسرحية “شهرزاد”. 7- جدي وحكايته قصة المأزم الاوديبية لتوفيق يوسف عواد. 8- الحكايات الشعبية والاسطورية في “الليالي الغجرية” ومآزم النمو والتحوّل لـ املي نصرالله. 9- “محمود تيمور وجبران خليل جبران” وجحيم الثنائيات وفردوس المصالح في “زائرة الليل الليلكي” للدكتور جورج طربيه. 10- خليل تقي الدين: “ثنائية الليل والنهار والشوق الى امتلاك الام”.

والقارئ المدقق في هذه الدراسات يكتشف بأن النقد المعاصر أعلى من شأن القارئ في علاقته بالنص والمؤلف بعد أن كان التركيز في الماضي ينصب على المؤلف، وفي مرحلة تالية، على النص. لكن صعود القارئ الى سدة اهتمام الخطاب يشير الى وعي جديد في أوساط النقاد والمؤلفين – وطنوس في طليعتهم – وكذلك القراء انفسهم ان القارئ طرف مشارك ومحفز لفعل الكتابة والابداع، فلا كتابة بلا قارئ ولا معنى للوحة أو منحوتة من دون مشاهد أو متأمل.

“قراءة نفسية في أدب أملي نصرالله”

الكتاب الثاني: “قراءة نفسية في أدب أملي نصرالله”، حيث يصل الى نتيجة عامة تضيء على الروائية المتمكنة، إذ يستخلص بالقول: “تكمن اهمية أملي نصرالله الروائية والقصصية في واقعيتها المرّة. على أن هذه الواقعية لا تعني كما يتخيل البعض رصفاً للعادات والتقاليد بقدر ما تعني محاولة للغوص في العالم الداخلي للانسان في علاقاته الاجتماعية. لذلك يُعدّ نتاج نصرالله من أبرز الملامح في القصة اللبنانية لأنها وعت، بعمق، مشكلة الفتاة اللبنانية التي تتجاذبها عوامل الماضي تتصل بالحبل السرّي الذي يربطها بالتقاليد وعوامل مستقبلية تخرج بها من الرحم الدافئ”. ويقول الناقد طنوس حولها :”إن في أعماق أملي عالماً خاصاً وديعاً كحبة قمح بريئاً براءة حمامة تفلت دائماً من الشباك، ولعل قوةٌ ما خفية تنتصب وراءها كالقدر”.

والمدقق في نقد طنوس للروائية أملي نصرالله نراه يتبع في نقده الافق المفتوح بين الرواية والكاتب والقارئ اذ يعتمد نظرية التوصيل في الخطاب الروائي المعاصر. وتعد نظرية التوصيل من اهم النظريات الحديثة في العملية النقدية. وقد تكمن اهميتها في اخراجها الخطاب الادبي –  الروائي من الدائرة المغلقة التي ادخلته فيها بعض المناهج الشكلية المهتمة باللغة في ذاتها والمتعاملة مع الخطاب الادبي بصفته بنية مغلقة على ذاتها.

ويركز طنوس على دور المتلقي في عملية الاتصال الادبي لان الوعي السابق بتطور الخطاب النقدي وظهور تقاليد جديدة يتعين عليها اعادة قراءة الخطاب الروائي في ضوئها، ولعل اهمية دراسة الخطاب الروائي في ضوء نظرية التوصيل تنبع من كون هذه النظرية متكاملة، تأخذ في الاعتبار كل الاطراف الداخلة في الفعل الابداعي من خلال ابواب ثلاثة: “المبدع”، “المتلقي” و”النص”. والمتمعن في إسلوبه النقدي وموقفه المبدع والمتلقي، قد جاء نتيجة لتغير طبيعة النص في المراحل الاخيرة. لقد تخلخل المفهوم الكلاسيكي للرواية. وظهر مفهوم الرواية الحديثة التي انكسرت فيها “النوعية” وتعددت الخواص، وساد مفهوم النصية.

“سيرة الادباء”

الكتاب الثالث: “سيرة الادباء – دراسة نفسية اجتماعية”، وفيها تناول مارون عبود وخليل حاوي وأملي نصرالله، نوال السعداوي، ميخائيل نعيمة، توفيق يوسف عواد، حليم بركات، هشام شرابي، وادوارد سعيد. وقال طنوس ان ما حداه الى كتابة هذه الدراسات أننا نعيش في عصر شبه ظلامي. من مظاهره أنَّ الزعيم السياسي او الثقافي يمتلك هالة سحرية بحيث لا يجرؤ بعض الناس على اتخاذ موقف شخصي انتقادي واعتبر هذه الدراسات انها تؤسس لمجتمع مبني على العقل والمساءلة وكشف الاقنعة وقال: “إنَّ في سير الادباء ما ينبئ عن عصر بكامله، عصر وإن ولّى زمنياً، فلا تزال مفاعيله حاضرة بقوة”. واذا ما وضعنا نصب اعيننا بلوغ الحقيقة المرّة أحياناً كثيرة، فإن مواصفات عديدة تسقط بعيداً عن هذه القرون الوسطى الجديدة التي تتميز بغياب العقل النقدي.

ويطرح الدكتور طنوس في مقدمة الكتاب تساؤلاً بقوله: “إني لأعجب من ناقد كيف يمتدح كتاباً يتضمن، مثلاً، ثلاث مئة صفحة من غير أن يبدي اعتراضاًعلى فكرة، أو انتقاداً لصفحة واحدة أو تساؤلاً عن موقف ملتبس”

“المرأة والحرية”

الكتاب الرابع: عن “المرأة والحرية – دراسات في الرواية العربية النسائية”، وناقدنا يقول “لسنا نؤمن بأدب مستقل للمرأة. ولكننا نؤمن بالانسان في شتى تجلياته”. ويوضح في مقدمة الكتاب “إن عالم النساء الاديبات لا يقل أهمية عن عالم الرجال الادباء، فلماذا لا نهتم بكتاباتهن بوصفها ظاهرة احتجاج ورفض في سياق ثقافي عام”. وأنهى بالقول: “ولا ريب في أن هذه الدراسة لا تفي الموضوع حقه فلقد ركزنا بحثنا عن ثنائية المرأة والتقاليد، مع أنّ ثمة مؤلفات عالجت علاقة المرأة بالقومية، وعلاقتها بالغرب وقِسْ على ذلك.. اننا أهملنا الكثير من الآثار الروائية التي طالعناها، لاسباب عديدة منها ما يتصل بغياب الاشكالية الداخلية ومنها ما يعود الى ثغرات في عملية السرد تبلغ حد الملل”.

اما الموضوعات التي تطرق اليها الدكتور طنوس في هذا الكتاب المتفرد في اسلوبه وطرحه فهي: 1- “الخروج من رحم المجتمع – املي نصرالله والتي يستخلص منها في روايتها “تلك الذكريات”ثنائية التبعية والتحرر عند امرأتين تحاولان بعد الآم مريرة قطع الحبل السرّي والخروج من رحم المجتمع الى رحاب الفردية المستقلة ويضيف: لعلّ النساء المتمردات هنَّ ضحايا وقديسات وبطلات ومشاعر نور تمهد الدروب الوعرة، ولولاهن لما حصل تقدم. 2- “مشاكل الانوثة من الرفض الى القبول – منى جبور، وقد اوضح انه لا يعرف الشيء الكثير عن حياة الاديبة اللبنانية منى جبور. فهذه الكاتبة المرهفة عاشت واحداً وعشرين ربيعاً “1942 – 1963” وألفت روايتين هما : “فتاة تافهة” و “الغربان والمسوح البيضاء” وقيل انها ماتت اختناقاً، وقيل ايضاً انها انتحرت لاسباب تمسّ بالشرف وربما نحرت. ولو امتد بها العمر لاصبحت من كبريات الاديبات العربيات. فليس من الشائع ان نجد فتاةً مراهقة تبدع رائعتين مشحونتين بتحليل نفسي دقيق، وامتلاك عجيب لتقنية السرد. 3- “مراحل التأزم والنمو – نوال السعداوي” اذ تستلهم رواية “مذكرات طبيبة” لنوال السعداوي شيئاً كثيراً من سيرة المؤلفة كما تبدت في “اوراق… حياتي” فثمة تربية تقليدية تزرع في دخيلة الفتاة الخوف من الجنس والدونية حيال الرجل.ويشرح طنوس كيف عانت بطلة السعداوي وطأة التقاليد وكيف استطاعت التخلص منها. 4-“من التبعية الآسرية الى يقظة الانوثة – هالة الحفناوي” وفي “العبير الغامض” للكاتبة المصرية هالة الحفناوي رواية رومنسية تتحدث عن الابوة والحب والطبيعة والوحدة والعلاقات الزوجية، وبعيداً عن ما يسمى الرواية الواقعية التي تستخدم لغة شبه صحافية. ومن مميزات هذه الروائية انها تنظر الى مشاكل المرأة نظرة صادرة على العالم الجواني، يقوم الهيكل الاقدس للمشاعر الحميمة. 5- العفاف الجريح – ميراي سابا. يقول طنوس ما استوقفنا في هذه الرواية تلك الصراحة اللامتناهية في تصوير اصدق المشاعر بين الرجل والمرأة.نادرأ ما قرأنا اثراً أدبياً يتحدث عن الاغتصاب، تكون فيه الفتاة راضية مغتبطة، معجبة بالمعتدي وكأنه مثال للرجولة. ليس هذا وحسب ففي “العفاف الجريح” جانب صادق وعميق من تحليل الشخصيات والغوص في مجهولاتها. على الرغم من تردي الكتاب في بعض العثرات كتراكم الحوادث المأساوية او ما يسمى الميلودراما. 6- “الحب الآثم “، “صمت الفراشات” للكاتبة الكويتية ليلى العثمان تعالج مشاكل المرأة العربية، كالاستبداد الاسري، الزواج القسري، اضافة الى الحب الآثم بين ناديا وذلك العبد الذي افتض بكارتها ليلة الزفاف وضربها بالسوط، بأمر من سيده، وهو للمفارقة زوج البطلة. واللافت ان في هذه الرواية جرأة لا متناهية، وتحليلاً نفسياً دقيقاً. ولغة شاعرية وكل              ذلك يدفع بها الى قمة في السرد والتشويق. 7- “من سجون التقاليد الى فضاء الحب والحرية – لطيفة الزيات” تطرح لطيفة الزيات في روايتها “الباب المفتوح” جوانب من مشاكل المرأة العربية: استبداد الاسرة، استئثار الرجل الرجعي، الانفصال بين الحب والشهوة. الحاجة العميقة الى الحب والثورة صوناً للذات كي لا تتردى في هوة العقم وشيخوخة الرغبات ويعتبر طنوس: هذه الرواية الأخاذة من أهم الآثار الروائية المقروءةفي الادب العربي. على حد ما علمنا. وهي تمتاز بالاسلوب الرشيق المطعم بالعامية أحياناً كثيرة، بالاضافة الى عمق التحليل النفسي والسردي المتقن. 8- “الصراع بين الحياة العصرية والقرون الوسطى  – حنان الشيخ” فحنان تقدم في “فرس الشيطان” تجربة روائية ثمينة تصور التناقض الحاد بين المثالية الزهدية والحياة العصرية، بين تشدد التقاليد والحرية التي لا يحدها قيد، ولعل المؤلفة استلهمت شيئاً كثيراً من حياتها الخاصة، كما استوحت بيروت الستينيات واوائل السبعينيات عندما بلغت دعوة التحرر النسائي ذروتها الشاهقة. 9- “بين الحب الممسوس والحب المعافى – فاطمة الشيدي” اذ ان رواية “حفلة الموت” للكاتبة العمانية فاطمة الشيدي، رواية أخاذة تسترعي انتباه النقاد ولا سيما المحللين النفسيين. فعلى الرغم من اللغة المتعثرة احياناً، تتجرأ المؤلفة فتخوض ميداناً جديداً هو عالم الارواح الشريرة التي تتلّبس البطلة، فتعيق نموها وتعطّل قدرتها على الاستقلال والحب. 10- “الخطيئة الاسرية والانسحاق امام الرجل المعبود”– لطيفة الحاج قديح التي تطرح في روايتها ” صخرة الروشة” مشكلة الفتاة الشرقية التي تعيش في وضع أسري مضطرب لا يمنح الحب والذكاء بقدر ما يعلم الخضوع والاستسلام. 11- المرأة والحرية – لطيفة الزيات” التي تسأل في روايتها هل الحرية والمرأة أمران متناقضان؟ بقدر ما يكون المجتمع هرمياً، عاجزاً عن مواجهة التحديات وبقدر ما يلغي الرأي المختلف، فمن البديهي أن يقمع الجنس الآخر (المختلف ايضاً) فيسجن المرأة في قفص ضيق من التقاليد الخانقة.

نظرية التوصيل

ومن خلال هذا العرض نلاحظ ان طنوس اتبع في مجمل دراساته نظرية التوصيل التي تعتبر من اهم النظريات الحديثة في العملية النقدية. وقد تكمن اهميتها في اخراجها الخطاب الادبي من الدائرة المغلقة التي ادخلته فيها بعض المناهج الشكلية المهتمة باللغة  في ذاتها. ولعلّ أهمية دراسة الخطاب الروائي التي اتبعها طنوس في ضوء نظرية التوصيل تنبع من كون هذه النظرية نظرية متكاملة، تأخذ في الاعتبار كل الاطراف الداخلة في الفعل الابداعي من اجل انتاج الخطاب الروائي؛ فهي تهتم بالمبدع (الروائي والنص)  (الرواية والمتلقي) (القارئ الذي يوجه إليه الخطاب) هكذا جاءت دراسات طنوس دوماً في ابواب ثلاثة: “المبدع”، “المتلقي”، و “النص” فالعلاقة بين اطراف العملية الابداعية علاقة جدلية تقوم على التأثر والتأثير، والأخذ والعطاء. ومع ازدياد التقدم العالمي، وظهور التقنيات الحديثة بمختلف اشكالها، وفي عصر التكنولوجيا والمعلومات بدأ المبدع يحس بتراجع دور القراءة، وكذلك عدد القراء، وتراجع دور الكلمة في عصر الصورة.

وفي المقابل شحب دور الناقد وتضاءل حضوره بسبب ابتعاده عن كتابة ما نسميه، في الحقل النقدي العربي، “النقد التنويري” وانسحابه الى صومعته الاكاديمية وهذا ما يؤكد عليه الناقد والاكاديمي البريطاني رونان ماكدونالد في كتابه “موت الناقد”. إذ قال: “مات الناقد” بالمعنى المجازي واخلى مكانه للقارئ الذي يستطيع الآن، وفي ضوء تطور وسائل الاتصال، ان يضفي قيمة على الاعمال الابداعية التي يقرأها من دون حاجة الى ناقد متخصص يرشده ويدله على ما يستحق القراءة.

ويعزو رونان ماكدونالد ضعف دور الناقد في اللحظة الراهنة الى انتشار المدونات والمواقع التي تتيح لأي شخص (بغض النظر عن معرفته وعلمه وتضلّعه في الموضوع الذي يكتب عنه)

مع دراسات طنوس يتأكد لنا ان النقد محاولة اولية جادة لفهم العالم وتغييره، فيصبح ضرورياً تحقيق مهمّته التي تتعدى ممارسة النقد الى تهيئة الوعي بأهميته ودوره وفاعليته، في اعادة الثقة الى الذات وايقاظ الطاقات الابداعية الكامنة للكشف عن مكامن القوة والضعف وتحفيز الانسان لرفض وتحدي كل ما يكبل حريته ويعوق تقدمه، فجوهر النقد هو الحرية. فالتعامل مع النصوص الابداعية نقدياً قد لا يكون سهلاً ولا يستطيع احد الجزم بان الناقد فهم على نحو دقيق مرامي المبدع كلها او جلّها أو بعضها، وهذا ما اشار إليه أمبيرتو أيكو مثلاً، ان الناقد قد يهتم بوضع النصوص تحت مجهر يحاول ان يكون دقيقاً للفحص ولتسجيل كل ما خفي من دلالات العمل – وهذا ما برع فيه طنوس – سواء سعى المبدع او لم يسعى الى سترها وتعميتها، وهذا ما يعطي النصوص  العالية قراءات متعددة. فالنقد، كما هو مع طنوس، اجراء تقني وعلمي يحاول تأويل النصوص وفهمها وفهم ما خفي بين سطورها او خلفها، وفهم جماليات النصوص واساليب صوغها ولغتها التي ابدعت نماذج عليا تميل نحو الادهاش والجدة.

النقد كما مارسه طنوس في مجمل دراساته تقدمت فيه موهبته، وبالاضافة الى كونه معرفة ومناهج واساليب وفعالية لمعالجة النصوص الابداعية. الا انه تصدى الى هذه المهمة بامتلاك موهبة النقد التي قد تكون استعداداً فطرياً وقد كرسته المعرفة الموسوعية في اساليب الابداع وطرائق الكتابة الادبية كافة. واذا كان الدكتور جان نعوم طنوس من شبه المغمورين على الصعيد الشعبي الا ان له حظوة في عيون النخب من ادباء وروائيين لانه من النقاد البارعين الذين ينقطعون الى قراءة النصوص، ويقلّبونها على وجوهها، ويسعون الى التعرف على عوالمها الداخلية ومكامنها التي لا تدركها الابصار الضعيفة والذائقة المتكلسة.

جان نعوم طنوس من الذين وضعوا نصب اعينهم تحليل النصوص واعادة خلقها من جديد في ضوء رؤيته وتجاربه النقدية، حيث تتبدى النصوص في حلة جديدة وضوء مختلف مثير الاذهان. هذا ما  يميز الناقد الخلاق عن الناقد الذي ينقل من كتاب النظرية. الاول يقوم باعادة كتابة النص، فيما الثاني يكتفي بالتعليق عليه من خارجه دون الدخول في تضاعيفه ومنعرجاته.

وفي الخلاصة ان طنوس ناقد حر، ويقظة فكرية وفنية دائمة.

     آية النقد عنده ان يكون صادقاً وموضوعياً، لا زلفى ولا مجاملة ولا وليد رهبة  او رغبة. والنقدالصادق له من مياسم الجمالية الفنية والحركة الفكرية، اكثر من العذوبة. اذا انتقد فبحب وشهامة، ما خرج يوماً الى مدى التجريح. نقداته فلذات من قلبه. يراع بارع ناصع مريض كمال، ما تمت له الهناءة إلا بالأحلى عرف كيف يبعد دراساته عن المجاملة والتملق والمداهنة والمحاباة ما يتلاقى مع مثاليته ونشدانه الجمالية الصافية .

كلام الصور

1-د. جان نعوم طنّوس

2-انطوان ابو رحل

3-“اساطير الجسد والتمرد”

4-“المرأة والحرية”

5-سِيَر الأدباء”

الصداقة الحقّ” تاريخ صلاحيّة لا ينتهي

د. ناتالي الخوري غريب

الصداقة الحقّ قيمة نهضويّة وفاعليّة خلّاقة وولّادة سعادة حين تكون أقوى من رابط الروح بالروح. صداقة فكر يأبى إلّا ان يتلاقح، عشق عقل يأبى إلّا أن يتغلغل في عمق  الخلايا،  ليس بعضها، بل كلّها. والأهمّ من ذلك، حين يعي الإنسان كلّ لحظة هذه الصداقةَ، يعي نضجه، يعي لذّة الوقت، يعاني انتظار اللقيا الذي تكافئه الكلمات والمقطوعات العازفة على شوق الفكر للفكر. تتفرّد الصداقة كونها لقاء أرواح يمكن أن قد تكون تاهت في أزمان سابقة والتقت، في كليّ تطابق بين النفس والروح.

تتكسّب الصداقة متانتها حين يعي الإنسان أنّها في أوّل سبيلها، تمرّ بمقام الدهشة، فمتى زالت هذه الدهشة، بعد عميق تعارف واكتشاف زوايا وخبايا، إمّا أن تهزل حالها، وتاليًا يتمّ الانتقال بعدها الى مرحلة الروتين العلائقي، فلا تعود تليق بمقام هذا الاسم، تحت قاعدة اكتشاف العيوب لتكون إجابة أحد الشعراء:”أتطلبُ صاحبًا لا عيب فيه/ وأيُّ الناس ليس له عيوبُ”.وإمّا يتمّ الفناء في متانة بقاء الصداقة الأبدي.

لا تشبه الصداقة شيئًا آخر، لا تشبه أمرًا آخر. لأنّها تلك الطاقة المستمدّة من محبّة الآخر وإحساسك أنّ ثمّة من يقدّم لك الدعم والسند، وأنّ عينًا عليك ترعاك أبدًا،  وتلك العلاقة التبادليّة والتفاعليّة في عجن الخير المطلق، وبخاصّة حين تبنى على جوهر متأصّل في نفس الصديقين تصبح أقرب ما تكون إلى روح واحدة، وثباتها حريّة قرار الآخر بين البقاء والفرار أنّى يشاء رحيلًا وهروبًا وضجرًا أو بقاء أو عودة بعد غياب، مع كلّ ما تحتّمه من تجرّد كلّي، واندفاع كلّي، ومحبّة تنمو بذاتها من دون أن تنتظر مقابلًا.

قد يعيش المرء عمرًا كاملًا، فلا يلتقي الصديق الحق، مع أنّه يكون قد فوّت بذلك فرصة التجدّد الحياتي مع كلّ إشراقة شمس، فيكون بذلك إنسانًا فقيرًا. وعلى الرغم من أنّ الإنسان يردّد دائما لنفسه أنّه لا يريد أن يتعلّق بأحد، كي لا تكون الخسارة موجعة وقويّة بقوةّ التعلّق، فيكون اللجوء إلى الزهد بالصداقة. وهنا نسحضر ما جاء في كتاب “الحيلة لدفع الأحزان” للفيسلوف الكندي، وفيه ألّا يتّخذ الإنسان من أيّ موضوع أرضي محبوبًا لأنّ كلّ ما على الأرض فانٍ، أكان شيئًا أو إنسانًا، وتاليًا هو عرضة للزوال، ما يجعل الإنسان معرّضًا كلّ آن لخسارة ما يحبّ، من هذا الباب يصبح الزهد بالصداقة زهدًا بالحياة وليس تقليلًا من قدسيّة الصداقة أو تقليلًا من قيمة الآخر في حياته.

فالصداقة تمتّع بالحياة وتنعّم، وهي هبة من هباتها لأنّها ترادف السعادة، وهي أقصى حالات الصدق والحنان. هذا لا يعني ان تكون جميع الصداقات عميقة  بالمرتبة عينها، فلكلّ إنسان حاجات وتطلّعات وأسلوب حياة وذائقة عيش فكرا وحياة وماضيًا ومشاعر وأحاسيس، وقد قال في ذلك أحد الشعراء:” ولا يألف الإنسان إلّا نظيره/ وكلّ امرىء يصبو إلى من يشاكله”. وقد تتنوّع الصداقات أو فلنقل تصنّف، على أن يكون تاريخ صلاحيّتها لا ينتهي بانتهاء حاجة المرحلة اليها. فهناك الصديق الرفيق الذي تستمع اليه وتسانده وتدعمه وتصغي الى همومه ومشاكله وتسعى الى إرشاده وحلّ اموره. وصديق بعيد-قريب: تتخاطب قلوبكما وعقولكما من دون تعبير عن  هذا الشعور النبيل، مع تقدير صريح لمنزلة كلّ منهما في نفس الآخر، على قاعدة أفلاطون”صديقي هو شخصي الثاني”.

وصديق صديق يستحوذ على كلّ كيانك، بعد انتهاء مرحلة الدهشة، صديق يوجعك في العمق وجعه، يفرحك في الصميم فرحه، تصحو لتحاوره وتنام على أمل يقظة الشمس لتطمئن عن حاله، لتعيش معه المجد الذي قال به فولتير.

وبعد، هناك الصديق-المزيّف، الذي يعتقد أنّه يقدّم لك اسمه طبقًا شهيًّا لتكبر به، لأنّه يعتبر نفسه جوهرة نادرة تتسارع الناس اليه او تحلم لقضاء بعض الوقت معه، وانك إذا صادقته، أنت الرابح الاكبر، لحظوتك المكوث في مجالسه، أو أنّك محظوظ كونه قبل الحضور في مجلسك. ودوام وجودك إلى جانبه رهن بمدى قدرتك على أن تكون عددًا ليدين تصفّقان له إعجابًا وانك حين تخدمه تكون خدمة لنفسك، لأنّ برأيه أمثالك يجب ان يتجنّدوا لخدمته وفاء وشكرانًا للحياة على وجوده.

وأخيرًا، ثمّة نوع جديد آخر، هو الصديق الفيسبوكي، ولنا في ذلك حديث آخر عن هذا العالم الذى بات المنتدى الاجتماعي الأكبر. وإن كان لا بدّ من كلمة ختام، فمسكها يكون ما قاله بولس سلامة:”علّمتني الحياة أنّ الصداقةَ المحض هي قدسُ أقداس المجتمع، لأنّها بنت المحبّة، والمحبّة غرسة الله في صدور الأوادم”.

صورة