“وجوه عرفتها”

رحيل أمّه كان محطة الحزن الأولى في حياته

نزار قباني... هكذا خطف الموت أجمل قصائده

رياض عبدالله حلاق وغلاف كتاب "وجوخ عرفتها"
رياض عبدالله حلاق وغلاف كتاب “وجوخ عرفتها”
 رياض عبد الله حلاق

الشعراء لا “يموتون” كسائر البشر.. ومن كان شاعراً كنزار قباني، بارعاً في الإمساك باللحظة، وصاحب تقنية لغوية فريدة وخاصة، ومفردات يومية نضرة، ويُحدث في لغة الشعر”بروسترويكاتزاريه” من صنعه كالتي أحدثها غورباتشوف في السياسة والاقتصاد، فإنّه يبقى حياً في الوجدان، وإن رحل، لا يحتاج لمن يتذكّره، أو يحتفل بذكرى ميلاده الثاني والتسعين!

نزار قبّاني
نزار قبّاني

هذه الأيام نتذكر نزار قباني بقوة وأكثر من أي وقت مضى… نتذكره ونترحم عليه، وفي ذات الوقت نغبطه على موته لأنّه لم يعش ليشهد بعينيه ما يحدث الآن لمحبوبته دمشق… المبعثرة والمخلعة نوافذها. وعليه فإن نزار ربح بموته لأنّه لا يرى ما نرى، أو لعله يرى… وفاز الموت به قبل أن تخسره بلاده. وصدقت نبوءاته حين قال: “أيا وطني جعلوك مسلسل رعب.. نتابع أحداثه في المساء.. فكيف نراك إذا قطعوا الكهرباء؟”.

نشأته

في حي مئذنة الشحم في بيت من بيوت دمشق القديمة في زقاق “معاوية”، ولد نزار قباني في 21 آذار 1923، وكان الولد الثاني بين أربعة صبيان وبنت وهم: المعتزّ ورشيد وصباح وهيفاء. لأسرة من الأسر الدمشقية المتوسطة الحال. وكان أبوه توفيق قباني ينفق على تمويل حركات المقاومة الشعبية ضدّ الفرنسيين من دخله في معمل الحلويات. فكان يصنع الثورة، مثلما يصنع الحلوى. وربما كانت هذه بداية إيمان نزار بالحركات. أما والدته فإسمها فائزة ويعرفونها في دمشق باسم “أم المعتزّ”، وكان بيتها معقلاً للحركة الوطنية عام 1935، وفي باحة الدار الفسيحة كان يلتقي قادة الحركة السياسية السورية، ومنها تنطلق المسيرات والتظاهرات ضدّ الانتداب الفرنسي، عنها يقول نزار: “كانت ينبوع عاطفة وتلبّي مطالبي الطفولية بلا شكوى ولا تذمر، جاءني هاتف من دمشق يقول لي: “أمك ماتت، لم أستوعب الكلمات في البداية.. لم أستوعب كيف يموت السمك كله.. في وقت واحد..”.

في مواجهة الموت

كانت تلك أولى محطات الحزن في حياة نزار قباني.. وبعد رحيل “أجمل النساء” في حياته تذوّق مرارة الموت مرة ثانية، وهذه المرة كانت شقيقته هيفاء التي أقدمت على الانتحار لأنّها أجبرت على الزواج من رجل لا تحبّه، فقرّر بعدها على محاربة كلِّ الأشياء التي تسببت في موتها. وعندما سُئِلَ نزار قباني إذا كان يعتبر نفسه ثائراً، أجاب: “إنَّ الحبَّ في الوطن العربي سجين، أنا أريد تحريره أريد تحرير الحسّ والجسد العربي بشعري، إنَّ العلاقة بين الرجل والمرأة في مجتمعنا غير سليمة، فمنذ عام 1944 وأنا أقيم بين أسنان التنين. أرنست همنغواي كان يقول: إنَّ الكاتب الحقيقي هو الذي يقف على الحدّ الفاصل بين الحياة والموت، فإن تريد أن تؤسس عالماً جديداً على أنقاض عالم قديم، فإنّ كلّ حجرٍ سوف يصرخ في وجهك، وكلّ الأشجار المُقتلعة سوف تقف في طريقك”.

ولم تكن هذه المرة الأخيرة التي يدخل فيها الموت مخدع نزار فيؤذي قلبه وحياته، وإنما فاجأه مرة ثالثة ليخطف منه امتداده، فالآباء يموتون تاركين أبناءهم متقبلين فيهم عزاء لا يواسيهم قط! ففي عام 1973 مات توفيق قباني (إبن نزار) في لندن. وكان توفيق أميراً دمشقياً جميلاً، وعن موته قال نزار: “ذات يوم كنت أتمشى مع توفيق في “أوكسفورد ستريت”، ورأينا في إحدى الواجهات قميصاً أزرق من النوع الذي يعجبه، فقلت له: “ما رأيك أن تشتريه؟ قال: “ولماذا الاستعجال؟ إنَّ القميص سيبقى .. ولكن هل سأبقى أنا؟”. إنّ رحيل توفيق المفاجئ أكّد لي حقيقة لم أكن أعرفها وهي: “إن الصغار أشجع وأكثر قدرة منّا على فهم طبيعة هذه الرحلة التي يسمونها الموت، وقد رثاه بقصيدة عنوانها “إلى الأمير الدمشقي”.

ثم جاءه الموت مرة رابعة ليخطف منه أجمل قصائده، ويتركه ليصبح قصيدة حزينة طويلة إسمها بلقيس وبلقيس أميرة قلبه وبطلته. هي زوجته الثانية العراقية “بلقيس الراوي”. والتي التقاها عام 1969 في بغداد حين ذهب ليلقي بعضاً من قصائده هناك. وفي العام 1982 قتلت بلقيس الراوي في انفجار السفارة العراقية في بيروت، وترك رحيلها أثراً نفسياً سيئاً عند نزار، ورثاها بقصيدة شهيرة تحمل اسمها. فعندما التقى نزار وبلقيس، كان زواجهما قصيدة طويلة رائعة.. وحين ماتت كانت وفاتها قصيدة طويلة أخرى، وقال عنها نزار: ” ستظل أجيال الأطفال تسأل عن ضفائرك الطويلة.. وتظلّ أجيال المشاعر تقرأ عنك أيتها المعلمة الأصيلة”.

“نزوري”

وقد تزوج نزار قباني  مرتين، الأولى من ابنة عمه “زهراء اقبيق” وأنجب منها هدباء وتوفيق والثانية بلقيس العراقية وأنجب منها عمر وزينب.  وكان نزار يحبّ بلقيس حبّاً كبيراً، وهي كانت تدللـه باسم “نزوري” وهو الاسم الذي كانت تناديه به أمّه حسب رأي ابنته هدباء.. ولهدباء رأي خاص وجميل في والدها. تقول فيه: ” قبل أن يكون أبي كان صديقي، ومنه تعلمت أن أحكي بينما هو يستمع رغم ندرة استماع الرجل إلى المرأة في مجتمعنا. زيّن أبي مراهقتي وشبابي بشعره.. لكنَّه في المقابل وبصفاء نية ـ أفسد حياتي بشعره وبتعامله معي، فقد جعلني أقارن بينه وبين الرجال الذين كنت ألقاهم، وكانت المقارنة دائماً لصالح أبي. ورأيت أغلب الرجال طغاة. كان جاري في لندن، لكنَّه لم يزرني قط دون موعد مسبق. وفي نادرة، دقَّ بابي دون موعد. وعندما وجد لديّ صديقات اعتذر، واستدار عائداً مؤجلاً زيارته لمرة أخرى، ولم يستبقه سوى صراخ الصديقات بأن يبقى، قد يكون أهمّ ما أذكره عن أبي، هو ذاك التشابه المذهل بينه وبين شعره، فهو لا يلعب دوراً على ورق للكتابة، ودوراً آخر على مسرح الحياة ولا يضع ملابس العاشق حين يكتب قصائده، ثم يخلعها عند عودته إلى البيت، كم أشعر بالفخر لأنَّ أبي هو نزار قباني الشاعر الذي نقل الحبَّ من الأقبية السرية إلى الهواء الطلق.

قضية الشعر

حين كان طفلاً ضائعاً بين أحواض الورد والخبيزة، وبين عريشة الياسمين وأشجار الليمون والسفرجل ونافورة المياه الزرقاء في بيت أبويه بدمشق القديمة، وهائماً مع أسراب الحمام والسنونو وقطط البيت.. وعندما بلغ سن العاشرة لم يترك نزار صنعة لم يجرّبها، من الرسم إلى الخط العربي إلى الموسيقى، إلى أن رسا قاربه، وهو في السادسة عشرة، على شاطئ الشعر.

هذا هو نزار قباني الذي درس المحاماة ولم يمارسها يوماً، ولم يترافع في قضية قانونية واحدة، لأن القضية الوحيدة التي ترافع عنها هي قضية الشعر والمتهم الوحيد الذي دافع عنه هو الشعر! وعندما سئل عن عدم ممارسته لمهنة المحاماة قال: ” لست محامياً جيداً إلاّ عن النساء”.

غنّى نزار قبّاني دمشق في أكثر من قصيدة وها نحن نقتطف هذه الأبيات من مفكّرة عاشق دمشقي: “فرشتُ فوق ثراكِ  الطـاهرِ الهُدُبـا/فيـا دمشقُ  لمـاذا  نبـدأُ العَتَبـا؟/حبيبتي  أنتِ   فأَسـتلقي  كأُغنيـةٍ/على ذراعي، ولا تستوضِحي السّبَبا/أنتِ النسـاءُ جميعاً، مـا من امرأَةٍ/أحبَـبْتُ بعـدكِ  إلاّ خلتُها  كذِبــا/يا شـامُ، إنّ جراحي لا ضفافَ لهـا/فمَسّحي  عن جبيني  الحزْنَ  والتّعبا/حبّي هنـا  وحبيباتي  ولـدْنَ هنـا/ فمَن يعيـدُ ليَ العُمرَ  الّذي ذهبـا؟”

*مختصر من نص بعنوان “الشاعر نزار قباني (1923 – 1998)”، منشور في الجزء الثاني من كتاب “وجوه عرفتها” لـ رياض الحلاق، الصادر حديثا عن “دار الضاد للطباعة والنشر”

 

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s